مقديشو برس/ أحمد محمد أحمد
حظي الحكم الدولي الصومالي عمر عبدالقادر عرتن باستقبال رسمي وشعبي في العاصمة مقديشو، بعد أيام من منعه من دخول الولايات المتحدة، رغم اختياره ضمن قائمة حكام نهائيات كأس العالم 2026، في حادثة أثارت موجة واسعة من الاستياء داخل الأوساط الرياضية الصومالية والإفريقية والعالمية.
ويُعد عرتن أحد أبرز الحكام في القارة الإفريقية، حيث تمكن خلال سنوات قليلة من فرض اسمه بين نخبة الحكام على المستوى القاري والدولي، قبل أن يحقق إنجازًا تاريخيًا باختياره كأول حكم صومالي يشارك في إدارة مباريات كأس العالم.
لكن رحلة النجاح هذه تعرضت لانتكاسة مفاجئة عندما مُنع من دخول الولايات المتحدة لدى وصوله إلى مطار ميامي، رغم التقارير التي أكدت أنه كان يحمل تأشيرة سفر سارية المفعول، وكان متجهًا للمشاركة في برنامج تدريبي تنظمه الفيفا للحكام المختارين للمونديال.
وأكد الحكم الصومالي عمر عرتن، أنه يريد التركيز على مستقبله الكروي بعد منعه من دخول الولايات المتحدة واستبعاده بالتالي من المشاركة في إدارة مباريات كأس العالم 2026، قائلا: “على الرغم من الظروف التي واجهتها، فإنني أحافظ على معنويات مرتفعة وأركز على مستقبلي في مجال التحكيم. أشكر فيفا وكاف على دعمهما المستمر، وأعد بمواصلة العمل للحفاظ على مستواي التحكيمي. كما أشكر الأسرة الكروية على رسائلها الداعمة، وأتمنى لزملائي الحكام النجاح في كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجددًا في المنافسات المقبلة.”
عمر عرتن.. قصة نجاح صومالية استثنائية
بدأ عمر عرتن مسيرته في الملاعب الصومالية قبل أن يحصل على الشارة الدولية من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) عام 2018. ومنذ ذلك الحين، أدار العديد من المباريات القارية والدولية، وشارك في بطولات إفريقية كبرى، قبل أن يتوج عام 2025 بجائزة أفضل حكم في إفريقيا المقدمة من الاتحاد الإفريقي لكرة القدم.
واعتبر كثير من الصوماليين اختيار عرتن للمونديال إنجازًا وطنيًا يعكس قدرة الكفاءات الصومالية على الوصول إلى أعلى المستويات العالمية رغم التحديات التي تواجه البلاد.
وعلى المستوى الشخصي، وُلد عمر عبد القادر عرتن عام 1995 في حي بولو حوبي بمديرية ودجر في مقديشو، وتلقى تعليمه الأساسي والثانوي والجامعي في العاصمة، قبل أن يدرس دراسات التنمية في الجامعة. وقد بدأ مسيرته في التحكيم محليًا ثم قاريًا، ليصبح رمزًا للإصرار والاحترافية.

قرار أثار تساؤلات واسعة
ورغم عدم صدور توضيح رسمي كامل بشأن أسباب منع الحكم الصومالي من دخول الولايات المتحدة، فإن الحادثة أعادت إلى الواجهة الانتقادات الموجهة إلى سياسات الهجرة والسفر التي تطال مواطني عدد من الدول، من بينها الصومال. ويرى منتقدو إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن مثل هذه السياسات تضر بمبادئ العدالة وتكافؤ الفرص، خاصة عندما تطال شخصيات رياضية ومهنية لا علاقة لها بالقضايا السياسية أو الأمنية التي تُستخدم عادة لتبرير القيود على السفر.
كما اعتبر مراقبون أن منع شخصية رياضية مرموقة تم اختيارها من قبل الفيفا للمشاركة في أكبر حدث كروي عالمي يبعث برسالة سلبية بشأن قدرة الرياضة على تجاوز الحدود والخلافات السياسية. لطالما قدمت كأس العالم نفسها بوصفها مناسبة عالمية تجمع الشعوب والثقافات تحت راية المنافسة الرياضية الشريفة. غير أن حادثة عمر عرتن أثارت تساؤلات حول مدى انسجام بعض السياسات المحلية للدول المستضيفة مع القيم التي ترفعها كرة القدم العالمية. فالمشجعون والخبراء يرون أن استضافة بطولة بحجم كأس العالم لا تقتصر على بناء الملاعب والبنية التحتية، بل تشمل أيضًا توفير بيئة ترحب بالمشاركين من مختلف الجنسيات والخلفيات دون تمييز.
وعلى الرغم من خيبة الأمل التي خلفتها الواقعة، فقد تحول عمر عرتن إلى رمز للفخر الوطني في الصومال. فالاستقبال الحاشد الذي حظي به في مقديشو عكس حجم التقدير الشعبي لإنجازاته، وأكد أن مكانته لم تتأثر بقرار المنع. ويرى كثيرون أن قصة عرتن تجاوزت كونها قضية تتعلق بحكم كرة قدم، لتصبح قصة عن الإصرار والكفاءة والقدرة على تمثيل الصومال بصورة مشرفة على الساحة الدولية.
وبينما ينتظر الشارع الرياضي توضيحات رسمية بشأن ملابسات الحادثة، يبقى عمر عرتن بالنسبة للصوماليين نموذجًا للنجاح المهني، ودليلًا على أن الكفاءة الحقيقية لا تقاس بالحدود أو التأشيرات، بل بما يحققه الإنسان من إنجازات واحترام في ميادين عمله.
في 17 ديسمبر/كانون الأول 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في “بيان حقائق” رسمي، أن الرئيس دونالد ترامب فرض المزيد من القيود على دخول المواطنين الأجانب لحماية “أمن الولايات المتحدة” على حد تعبير البيان.
أبقى الإعلان على “القيود الكاملة وحدود الدخول المفروضة” على مواطني الدول الـ12 التي تصنفها السلطات الأمريكية بأنها دول “عالية المخاطر” ومن بين هذه الدول الصومال .
ولا تبدو السياسة الأمريكية مستعدة للتنازل عن تصنيفاتها تلك حتى في خضم حدث يُعد من بين أحداث أخرى قليلة مما يمكن تسميته بـ”فعاليات توحد العالم”.












