مقديشو برس/ بقلم: محمود علي آدم هوري
يكشف هذا البحث، الصادر سنة 1987م، عن المستوى العلمي والمهني الرفيع الذي بلغته المؤسسات العسكرية الصومالية آنذاك، في إنتاج الفكر الأمني والاستراتيجي. ومما يدل ثقل هذا،اشارة صاحب تصدير الكتاب حيث يقول: “حملني الصديق والدكتور الصيدلي محمد عثمان سمتر بمهمة ليست باليسيرة، هي أثقل -برأي – من الجبال الراسيات، فهي مهمة الدول، من حيث الاهتمام بمحتوى بحث علمي يناقش مسألة الصهيونية وتغلغلها وسط مجتمعنا العربي والأفريقي والذي أعد والده الحنرال”.
يمثل هذا الكتاب إضافة مهمة إلى حقل الدراسات الاستراتيجية والأمنية في الصومال بشكل خاص وفي العالم العربي بصورة عامة، إذ يتناول أحد الموضوعات الأكثر ارتباطًا بالتحولات الجيوسياسية المعاصرة، وهو طبيعة الحضور الإسرائيلي في إفريقيا وانعكاساته على الأمن القومي العربي، مع تخصيص مساحة خاصة لدراسة تأثير هذه العلاقات على الأمن القومي الصومالي.
المؤلف: بين الخبرة العسكرية والرؤية الأكاديمية
يأتي هذا العمل ثمرة تجربة علمية ومهنية طويلة للجنرال عثمان محمد سمتر، المعروف ب.(عثمان فتيك) (Cismaan-Fatiig)
أحد القيادات العسكرية الصومالية التي جمعت بين العمل الميداني والتكوين الأكاديمي. وُلد سنة 1948م بمدينة بوصاصو، وتلقى تعليمه الأساسي، قبل أن يلتحق بالكلية الحربية السوفيتية بأوديسا، ثم حصل على درجة الماجستير في العلوم العسكرية من أكاديمية القيادة والأركان بالمملكة العربية السعودية عام 1979م، كما كان ضمن الدفعة الأولى- الدورة (1) (1986-1987م) في الأكاديمية الاستراتيجية القومية للدفاع والأمن القومي بمقديشو.
وتدرج المؤلف في العديد من المناصب العسكرية والقيادية، فشغل مسؤوليات في سلاح المدفعية، ورئاسة الأركان، وإدارة التسليح والذخيرة، وقيادة قطاعات عسكرية مختلفة، كما شارك في جهود المصالحة الوطنية وإعادة بناء الدولة الصومالية عقب انهيار الحكومة المركزية. وهذه الخلفية الغنية أكسبته رؤية استراتيجية عميقة، انعكست بوضوح في هذا الكتاب. بعد إنهيار الحكومة الصومالية المركزية سنة ١٩٩١م شغل في المصالحة الوطنية والإدارات المحلية لسكان مناطق بونت لاند، كما شارك في مؤتمرات المصالحة المنعقدة خارج البلاد، لإعادة الكيان الصومالي، وتأسيس الجمهورية بعد تفكك عراها وتشرد الشعب.
وفي مضمون الكتاب أو الدراسة
يتناول المؤلف موضوع العلاقات الإسرائيلية الإفريقية من منظور تاريخي واستراتيجي، فيتتبع بدايات التغلغل الإسرائيلي في القارة الإفريقية، ويحلل الأهداف التي دفعت إسرائيل إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية مع عدد من الدول الإفريقية، مستعرضًا الأدوات التي اعتمدتها لتحقيق ذلك.
ويبرز الجانب الأهم في الدراسة من خلال ربط هذه العلاقات بمفهوم الأمن القومي العربي، ثم الانتقال إلى دراسة انعكاساتها على الأمن القومي الصومالي، انطلاقًا من خصوصية الموقع الجيوسياسي للصومال في منطقة القرن الإفريقي، وما تمثله هذه المنطقة من أهمية استراتيجية على المستويين الإقليمي والدولي.
قيمة علمية ومنهجية
تكشف الدراسة عن إدراك المؤلف للطبيعة المركبة لمفهوم الأمن القومي، إذ لا يحصره في الجانب العسكري، بل ينظر إليه باعتباره منظومة متكاملة تشمل الأبعاد السياسية والاقتصادية والثقافية والاستراتيجية. كما اتسم الكتاب بتسلسل منطقي في عرض موضوعاته، بدءًا من الجذور التاريخية للعلاقات الإسرائيلية الإفريقية، مرورًا بأهدافها وأدواتها، وانتهاءً بتداعياتها على الأمن العربي والصومالي.
وتبرز أهمية هذا العمل كذلك في كونه يطرح رؤية صومالية لقضية ذات أبعاد إقليمية ودولية، وهو أمر ما تزال المكتبة الصومالية بحاجة إلى المزيد منه، خاصة في مجال الدراسات الاستراتيجية والجيوسياسية.
يقول الدكتورعبد الفتاح نور أحمد – نائب السفير والمستشار الأول بسفارة جمهورية الصومال‐ تنزانيا، في مقدمة هذا العمل “يتناول الباحث في أطروحته -هذه- نشاة الكيان الإسرائيلي وتغلغله في القارة السمراء، وتأثير الكيان الاستطاني في البعدين العربي والأفريقي ومآلات هذا التدخل في رسم الخرائط والسياسات بما يضر مصالح الشعوب العربية والإسلامسة”.

انطباع عام
لا يمثل هذا الكتاب مجرد دراسة للعلاقات الإسرائيلية الإفريقية، بل يعكس تجربة جيل من العسكريين الصوماليين الذين جمعوا بين الخبرة العملية والوعي الأكاديمي، وسعوا إلى تحويل التجربة الميدانية إلى معرفة استراتيجية مكتوبة. ومن هذه الزاوية، فإن الجنرال لا يظهر في هذا العمل بوصفه ضابطًا عسكريًا فحسب، بل باحثًا منشغلًا بقضايا الدولة والأمن والمستقبل.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها القارة الإفريقية ومنطقة القرن الإفريقي، تبقى هذه الدراسة شاهدًا على أهمية التفكير الاستراتيجي الوطني، وضرورة بناء مدرسة بحثية صومالية تعنى بقضايا الأمن القومي والعلاقات الدولية، وتستند إلى الخبرة الوطنية والمعرفة العلمية.
إن هذا البحث، بما يحمله من مضمون فكري وخبرة عملية، يعد إسهامًا جديرًا بالتقدير في المكتبة الصومالية والعربية، ويعكس إيمان مؤلفه بأن حماية الأوطان لا تكون بالسلاح وحده، بل بالفكر والمعرفة والاستشراف الاستراتيجي أيضًا.
نعم، ويمكن تلخيص أبرز التوصيات التي يفرضها الواقع الراهن في النقاط الآتية:
1. إعادة صياغة مفهوم الأمن القومي الصومالي بحيث لا يقتصر على الأبعاد العسكرية، وإنما يشمل الأمن السياسي والاقتصادي والبحري والاستخباراتي.
2. تعزيز الحضور الدبلوماسي الصومالي في إفريقيا وتوطيد الشراكات مع دول الاتحاد الإفريقي لحماية المصالح الوطنية ودول العربية.
3. تطوير مراكز الدراسات والبحوث الاستراتيجية لتقديم رؤى جديدة للتحديات المستجدة وتوفير قراءات علمية للتحديات الناشئة في القرن الإفريقي، بعيدًا عن ردود الفعل الآنية.
4. تعزيز الوحدة الوطنية الصومالية وترسيخ النظام الفيدرالي باعتبار أن الانقسامات الداخلية تفتح المجال للتدخلات الخارجية.
5. بناء استراتيجية بحرية متكاملة تستثمر الموقع الجيوسياسي للصومال وتؤمّن مصالحه في البحر الأحمر وخليج عدن.6. متابعة التحركات الإسرائيلية في القرن الإفريقي بمنهج واقعي وعلمي قائم على فهم المصالح الدولية والإقليمية.
7. إفراد ملف العلاقات الإسرائيلية مع صوماليلاند(أرض الصومال) بحقلٍ بحثي مستقل ضمن الدراسات الاستراتيجية المعنية بالقرن الإفريقي، وإخضاعه لتحليل علمي متعدد الأبعاد يستكشف تداعياته السياسية والأمنية والجيوسياسية، وآثاره المحتملة على وحدة الدولة الصومالية وسيادتها، وعلى توازنات البحر الأحمر والقرن الإفريقي، بما يتيح بناء مقاربات وسياسات وطنية استشرافية قادرة على التعامل مع التحولات الإقليمية وصون المصالح الاستراتيجية العليا للصومال.











