الكاتب : عبدالله عبدالرحمن الفياض
كاتب وباحث صومالي مهتم بالقضايا العربية والإسلامية
برحيل نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الطاقة والصناعة الأسبق عبد الله بن حمد العطية، تطوي دولة قطر صفحة أحد أبرز رجال نهضتها الحديثة، وأحد الأسماء التي ارتبطت بمراحل التحول الكبرى في تاريخ الدولة. فقد كان العطية نموذجًا لرجل الدولة الذي جمع بين الرؤية والخبرة والعمل الوطني، وأسهم على مدى عقود في ترسيخ مكانة قطر إقليميًا ودوليًا.
بدأ العطية مسيرته العملية مبكرًا في وزارة المالية والبترول، قبل أن يتدرج في مواقع المسؤولية حتى أصبح وزيرًا للطاقة والصناعة، ثم نائبًا لرئيس مجلس الوزراء، كما تولّى رئاسة الديوان الأميري، إلى جانب رئاسته لعدد من المؤسسات والهيئات المهمة داخل قطر وخارجها. وقد ارتبط اسمه بمرحلة مفصلية شهدت تحولات اقتصادية وتنموية كبرى، أسهمت في نقل قطر إلى مصاف الدول ذات التأثير العالمي.
رجل الطاقة والتحول الاستراتيجي

ويُعد عبد الله بن حمد العطية أحد أبرز الشخصيات التي ساهمت في بناء المكانة العالمية التي وصلت إليها قطر في قطاع الطاقة، حيث لعب دورًا محوريًا في تطوير صناعة الغاز الطبيعي، وترسيخ موقع قطر كواحدة من أهم القوى المؤثرة عالميًا في مجال الطاقة والغاز الطبيعي المسال. وقد شكّلت السياسات والرؤى التي ارتبطت بتلك المرحلة جزءًا أساسيًا من التحول الاقتصادي الاستراتيجي الذي شهدته الدولة.
كما عُرف بحضوره الفاعل في المنظمات والمؤسسات الدولية المعنية بالطاقة، وبعلاقاته الواسعة مع كبار القادة وصناع القرار حول العالم، حتى أصبح اسمًا يحظى بالاحترام والتقدير في المحافل الدولية، بوصفه أحد أبرز الوجوه الخليجية المؤثرة في ملف الطاقة العالمي.
ولم يكن نجاحه مجرد نجاح إداري أو اقتصادي، بل كان جزءًا من مشروع وطني متكامل لبناء دولة قادرة على الحضور والتأثير. فالنهضة التي ساهم فيها رجال أمثال عبد الله بن حمد العطية، هي التي مكّنت دولة قطر لاحقًا من أداء أدوار إنسانية وتنموية وسياسية فاعلة، ودعم العديد من الدول العربية والإسلامية والشعوب المحتاجة، لتصبح دولة ذات حضور مؤثر على المستويين الإقليمي والدولي.
كما امتدت إسهاماته إلى المجال الرياضي والاجتماعي، حيث عُرف بأنه الأب الروحي لنادي السد، وارتبط اسمه بتاريخ النادي وإنجازاته الكبيرة، وكان من الشخصيات التي دعمت الرياضة القطرية وأسهمت في ترسيخ حضورها، إدراكًا منه لأهمية الرياضة في بناء المجتمعات وصناعة الأجيال.
ولم يكن العطية مجرد مسؤول رفيع شغل مناصب كبرى، بل عُرف كذلك بشخصيته القيادية وحضوره المؤثر وعلاقاته الواسعة، إضافة إلى إيمانه بالعمل المؤسسي ودعم الكفاءات الوطنية، وهي صفات جعلته يحظى بمكانة خاصة داخل قطر وخارجها.
وفي سنواته الأخيرة، واصل اهتمامه بقضايا الطاقة والتنمية المستدامة، فأسس “مؤسسة عبد الله بن حمد العطية الدولية للطاقة والتنمية المستدامة”، وهي مؤسسة غير ربحية تُعنى بالحوار والدراسات المتعلقة بالطاقة والاستدامة والاقتصاد العالمي، وتعمل على تعزيز الوعي بقضايا التنمية والطاقة، في خطوة تعكس إيمانه العميق بأن خدمة الأوطان لا تتوقف عند المناصب، بل تستمر بالفكر والخبرة والعطاء.
ومن خلال متابعتي لهذه الشخصية عبر السنوات، والاطلاع على لقاءاتها وتصريحاتها وما كُتب عن مسيرتها، بدا واضحًا حجم الأثر الذي تركه هذا الرجل في مجالات متعددة. فمن النادر أن يجتمع في شخصية واحدة هذا الحضور في السياسة والطاقة والرياضة والعلاقات الدولية والعمل الوطني، وهو ما جعل عبد الله بن حمد العطية واحدًا من الشخصيات الخليجية التي تجاوز أثرها حدود وطنها إلى العالم العربي والإسلامي.
إن الحديث عن عبد الله بن حمد العطية ليس مجرد رثاء لمسؤول راحل، بل هو حديث عن قيمة العمل والإخلاص والإنجاز، وعن الإنسان الذي يترك أثره الحقيقي بما يقدمه لوطنه وأمته. فقد أثبتت مسيرته أن الإنجازات العظيمة لا تُبنى بالشعارات، بل بالرؤية والعمل الطويل والإيمان بالوطن.
رحل عبد الله بن حمد العطية، لكن أثره سيبقى حاضرًا في ذاكرة قطر الحديثة، وفي قصة التحول التي جعلت من الدولة نموذجًا للحضور والتأثير. فالرجال العظماء لا يُقاس أثرهم بعدد المناصب التي شغلوها، بل بما يتركونه في ذاكرة الأوطان ومسيرة الشعوب.
========================================================












