مقديشو برس/ بقلم: محمود علي آدم هوري
يُعدّ الدكتور محمود عبدي نور أحد أبرز القامات الأكاديمية في مجال الهندسة الزراعية وتربية النبات في القارة السمراء، حيث امتدت مسيرته العلمية والبحثية والإدارية عبر عقود من العطاء المتواصل.وقد أسهم إسهامًا محوريًا في تطوير منظومة التعليم العالي، وتعزيز البحث التطبيقي، وبناء المؤسسات الأكاديمية الزراعية خلال مرحلة مفصلية من تاريخ البلاد، مما جعله أحد الروّاد المؤسسين لمسار النهضة العلمية الزراعية في الصومال
أولا: النشأة والتعليم
وُلد الدكتور محمود عبدي نور في مدينة بربرة (Berbera) بالصومال بتاريخ 1 سبتمبر 1943م، وينحدر من أسرة عريقة تُعرف باسم قبيلة أغسلبي (Ogayslabe)، والتي اشتهرت تاريخيًا بمكانتها الاجتماعية وارتباطها بالتجارة والثقافة ضمن السياق الحضاري للمنطقة. بدأ تعليمه المبكر في الكتّاب، حيث تلقّى مبادئ العلوم الشرعية وحفظ القرآن الكريم، وهو ما أسّس لقاعدة معرفية وتربوية راسخة في بداياته. ثم واصل تعليمه النظامي في عدن، اليمن ، حيث أكمل مراحل التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي، مما أسهم في تكوين مساره العلمي والأكاديمي.
وفي إطار استكمال تأهيله الأكاديمي، التحق بالولايات المتحدة الأمريكية لمواصلة دراسته الجامعية، حيث حصل على درجة البكالوريوس في العلوم الزراعية (Agronomy) مع مرتبة الشرف من جامعة أريزونا (University of Arizona)، وهي إحدى الجامعات الرائدة في مجال العلوم الزراعية. ثم واصل مسيرته الأكاديمية بنيل درجة الماجستير في الهندسة الزراعية من جامعة وايومنغ (University of Wyoming)، قبل أن يُتوج مساره العلمي بالحصول على درجة الدكتوراه في تربية النبات (Plant Breeding) من جامعة ماساتشوستس (University of Massachusetts)، وهي من أبرز المؤسسات الأكاديمية المتخصصة في علوم الزراعة وتطوير المحاصيل.

ثانيا: المسار الأكاديمي والإداري
بدأ مشواره المهني كباحث زائر في المعهد الدولي للزراعة الاستوائية بمدينة إبادان في نيجيريا، وهو أحد أبرز المراكز البحثية في الزراعة المدارية. وتقلّد لاحقًا عددًا من المناصب الأكاديمية والإدارية البارزة، من أهمها:
١. رئيس وحدة البحوث الزراعية المركزية في أفجوي، وباحث متخصص في محصول الذرة.
٢. محاضر، ثم أستاذ مشارك، ثم عميد كلية الزراعة في الجامعة الوطنية الصومالية.
٣. نائب رئيس الجامعة الوطنية الصومالية، ومؤسِّس وعميد كلية الزراعة بها.
٤. شغل منصب نائب رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية أو العلمية، ثم رئيس الجامعة بالإنابة.
٥. مستشار وخبير حكومي في المشروعات الزراعية خلال الجمهورية الصومالية.
٦. نائب وزير الزراعة والبيئة لمدة خمسة عشر عامًا، وذلك خلال مرحلة الحكم العسكري في الصومال، التي تُعدّ من فترات النهضة والتحديث المؤسسي في البلاد.
ثالثل:الإسهامات العلمية والمؤسسية
أسهم البروفيسور محمود عبدي نور في تطوير البنية العلمية والبحثية الزراعية في الصومال، ومن أبرز إسهاماته:
١. المشاركة في إنشاء وتطوير معهد البحوث الزراعية في الجامعة الوطنية الصومالية.
٢. المساهمة في تأسيس المجلس الوطني الصومالي للبحوث العلمية.
٣. عضوية اللجنة التنفيذية للتعاون الجامعي الإيطالي–الصومالي.
وقد كان لإسهاماته دور محوري ومكانة مرموقة في ربط التعليم الزراعي بالبحث التطبيقي ودعم التنمية الزراعية في البلاد.
رابعا: الجوائز والانتماءات العلمية
حصل على منحة فولبرايت (Fulbright Scholarship)، وهي من أبرز برامج التبادل الأكاديمي الدولية، كما كان عضوًا في برنامج الشرف بجامعة أريزونا. وانضم إلى عدد من الجمعيات العلمية المرموقة، منها: Alpha Zeta، Gamma Sigma Delta، وSigma Xi، وهي جمعيات تُعنى بالتميز العلمي في مجالات الزراعة والعلوم التطبيقية.
خامسا: الإنتاج العلمي
قدّم البروفيسور عددًا من البحوث والدراسات العلمية المتخصصة في مجالي الزراعة وتربية النبات، نُشرت في دوريات علمية ومجلات أكاديمية محكّمة، وأسهمت في إثراء المعرفة الزراعية على المستويين المحلي والدولي، ولا سيما في مجالات تحسين إنتاجية المحاصيل، وتطوير أصناف زراعية أكثر ملاءمة للبيئات المدارية، إضافة إلى إدارة الموارد الزراعية في الظروف البيئية الصعبة.
وقد عاش البروفيسور في المهجر منذ عام 1991م، عقب انهيار الحكومة الصومالية المركزية، حيث واصل نشاطه العلمي والأكاديمي من خارج البلاد، محافظًا على إسهاماته البحثية وتواصله مع الحقل العلمي رغم ظروف الاغتراب.
وبوفاته في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2024م، بعد صراعٍ مع المرض، طُويت صفحةٌ من أبرز صفحات العطاء العلمي في تاريخ الصومال الحديث، حيث فقدت الساحة الأكاديمية قامةً علمية رفيعة وأحد أعمدة النهضة الزراعية في القرن الأفريقي. وقد مثّل رحيله خسارةً كبيرة للمؤسسات العلمية والبحثية في الصومال، وقد نَعَتْهُ الجامعة الوطنية الصومالية رسميًا في العام نفسه، وفاءً وتقديرًا لمسيرته العلمية الحافلة وإسهاماته البارزة في خدمة المعرفة والتنمية الزراعية.

سادسا: ملحق توثيقي: شهادة عائلية حول التوثيق العلمي
في سياق توثيق الإرث العلمي للبروفيسور، وردت شهادة ذات طابع توثيقي تعكس جانبًا من حضوره الأكاديمي في الأرشيف العلمي الأفريقي. فقد أشارت ابنته، عائشة محمود عبد نور، إلى أنها ساهمت قبل عدة سنوات في إعداد عرض تقديمي حول المسيرة المهنية لوالدها ضمن فعالية تكريمية محلية.وخلال ذلك، أشارت والدتها إلى وجود كتابٍ صدر في سبعينيات أو ثمانينيات القرن الماضي يوثّق نخبة من العلماء الأفارقة، وكان والدها من بين الشخصيات التي شملها هذا العمل في مقابلة علمية نادرة. وقد تبين لاحقًا أن النسخة الأصلية من هذا الكتاب فُقدت خلال سنوات ما بعد الحرب، رغم قيمتها التوثيقية الكبيرة.
وتوضح الشهادة أن الأسرة لم تكن تمتلك معلومات دقيقة حول عنوان الكتاب أو تفاصيله، مما جعل عملية البحث عنه معقدة في البداية. إلا أن جهودًا لاحقة قادت إلى تتبع المرجع عبر أرشيفات علمية، وصولًا إلى مكتبة الكونغرس، قبل الحصول على نسخة ورقية منه من إحدى المكتبات في جنوب أفريقيا.
وتعكس هذه التجربة البُعد التوثيقي المهم للأعمال الأكاديمية المبكرة، التي وثّقت أسماء عدد محدود من العلماء الأفارقة في تلك المرحلة، من بينهم البروفيسور محمود عبدي نور، الذي كان حينها في منتصف الثلاثينيات من عمره.
سابعا:الخاتمة
تمثل المسيرة العلمية للبروفيسور محمود عبدي نور نموذجًا متكاملًا للعالِم الأكاديمي الذي جمع بين التأهيل العلمي الرفيع في كبرى الجامعات العالمية، والتميز في البحث، والكفاءة في الإدارة الجامعية وصناعة السياسات الزراعية. فقد أسهم إسهامًا محوريًا في تأسيس التعليم الزراعي الجامعي، وبناء مؤسساته الأكاديمية، وترسيخ دعائم البحث الزراعي، فضلًا عن دوره في إعداد الكوادر الوطنية التي قادت عجلة التنمية الزراعية لعقود.
وتكتسب رحلته العلمية أهميةً خاصة بوصفها توثيقًا لسجل أحد أبرز رواد التعليم العالي والعلوم الزراعية خلال القرن العشرين، إذ يجسد إرثه الأكاديمي مرحلةً مفصلية من مراحل بناء الدولة ومؤسساتها، ويؤكد مكانته بوصفه أحد الرموز العلمية التي شاركت بفاعلية في النهضة الأكاديمية والزراعية، وترك أثرًا مستدامًا في تاريخ التعليم العالي والبحث العلمي في الصومال.












