إسلام آباد/ مقديشو برس
لم تمض سوى ساعات على توقيع مذكرة التفاهم للتعاون الدفاعي بين جمهورية الصومال الفيدرالية وجمهورية باكستان الإسلامية حتى بدأ الجانبان في ترجمة بنودها عمليًا، من خلال سلسلة زيارات أجراها وزير الدفاع الصومالي، أحمد معلم فقي، إلى أبرز المؤسسات العسكرية والأكاديمية والصناعية الدفاعية الباكستانية. ويعكس هذا التسلسل الزمني أن الاتفاق لم يكن مجرد إطار سياسي أو دبلوماسي، بل يمثل بداية مرحلة تنفيذية تستهدف بناء شراكة دفاعية طويلة الأمد.
وشملت الزيارة قيادة القوات الجوية الباكستانية، وقيادة القوات البحرية، وشركة الحلول الصناعية والدفاعية العالمية (GIDS)، إضافة إلى جامعة الدفاع الوطني الباكستانية، وهي مؤسسات تمثل الركائز الأساسية لمنظومة الدفاع الباكستانية، سواء في مجالات التخطيط الاستراتيجي، أو بناء القدرات، أو الصناعات العسكرية، أو إعداد القيادات.
تشير لقاءات وزير الدفاع مع قيادة القوات الجوية والقوات البحرية الباكستانيتين إلى أن التعاون المقترح يتجاوز برامج التدريب التقليدية، ليمتد إلى تطوير القدرات العملياتية للقوات المسلحة الصومالية. ويشمل ذلك التدريب التخصصي، ورفع كفاءة الكوادر، وتبادل الخبرات في مجالات القيادة والسيطرة، والتخطيط العملياتي، وإدارة العمليات المشتركة.
ويكتسب هذا التعاون أهمية خاصة في ظل المرحلة التي تستعد فيها القوات المسلحة الصومالية لتولي المسؤولية الأمنية الكاملة، بالتزامن مع تنفيذ خطة الانتقال الأمني وانسحاب بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال (AUSSOM). فنجاح هذا الانتقال يعتمد على امتلاك قوات وطنية قادرة على التخطيط والتنفيذ وإدارة العمليات البرية والجوية والبحرية بصورة متكاملة.

وتحمل زيارة شركة الحلول الصناعية والدفاعية العالمية (GIDS) دلالات استراتيجية تتجاوز التعرف على منتجات الشركة. فهذه المؤسسة تعد إحدى أبرز شركات الصناعات الدفاعية في باكستان، وتعمل في مجالات الأنظمة القتالية، والذخائر، والتقنيات العسكرية، والحلول الدفاعية الحديثة.
ومن منظور عسكري، فإن أهمية هذه الزيارة لا تكمن في احتمالات شراء المعدات فحسب، بل في استكشاف فرص التعاون في مجالات نقل المعرفة الفنية، والدعم اللوجستي، والصيانة، والتدريب الفني، وبناء القدرات الوطنية في إدارة المنظومات العسكرية الحديثة، وهي عناصر تمثل أساس استدامة الجاهزية القتالية لأي قوات مسلحة.
أما زيارة جامعة الدفاع الوطني الباكستانية، فتكتسب أهمية خاصة؛ إذ تُعد من أبرز المؤسسات الأكاديمية العسكرية في المنطقة، وتختص بإعداد القيادات العسكرية والمدنية العليا، وتدريس الاستراتيجية، والأمن القومي، وإدارة الأزمات، والقيادة المشتركة.
ويعكس اهتمام الصومال بهذه المؤسسة إدراكًا بأن بناء الجيوش الحديثة لا يعتمد على التسليح وحده، بل يرتكز أيضًا على تأهيل القيادات، وتطوير الفكر العسكري، وتعزيز القدرة على التخطيط الاستراتيجي واتخاذ القرار، وهي عوامل حاسمة في بناء مؤسسة عسكرية محترفة.

وتأتي هذه التحركات في إطار سياسة صومالية تهدف إلى توسيع شبكة الشراكات الدفاعية مع الدول الصديقة، بما يتيح الاستفادة من الخبرات المتنوعة في مجالات التدريب، والتأهيل، والتكنولوجيا العسكرية، والصناعات الدفاعية. وتتمتع باكستان بخبرة واسعة في بناء القوات المسلحة، والصناعات الدفاعية، والتعليم العسكري، الأمر الذي يجعلها شريكًا قادرًا على الإسهام في دعم جهود الصومال الرامية إلى تطوير مؤسساته الدفاعية وفق أسس مهنية حديثة.
تُظهر المؤشرات الأولية أن مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين ليست مجرد وثيقة للتعاون الثنائي، وإنما إطار استراتيجي قد يفتح المجال أمام برامج مشتركة في التدريب العسكري، والتعليم الدفاعي، وبناء القدرات، والتعاون الفني، وتبادل الخبرات. وإذا ما تُرجمت هذه التفاهمات إلى برامج عملية، فإنها قد تسهم في رفع مستوى جاهزية القوات المسلحة الصومالية، وتعزيز قدرتها على تنفيذ مهامها الوطنية، ودعم مسار الانتقال الأمني، بما يرسخ قدرة الدولة على حماية سيادتها وتأمين أراضيها ومياهها الإقليمية، ويؤسس لشراكة دفاعية استراتيجية بين مقديشو وإسلام آباد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من التعاون العسكري التقليدي.













