مقديشو برس
رحل الأستاذ عيسى محمد سياد عن دنيانا، وكان أحد أبرز العقول التي أسهمت في تطوير اللغة الصومالية وتثبيت قواعدها الأكاديمية والعلمية. جمع الفقيد بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، وبين اللغة والسياسة، وبين العلم وخدمة الوطن.
تخرّج على يديه مئات الطلاب في الجامعة الوطنية الصومالية، حيث درّس ثلاث مواد أساسية وضعها بنفسه، منها الصرف الصومالي (Somali Morphology) والأصوات الصومالية (Somali Phonology)، بالإضافة إلى مادة عن تركيب الجمل. كان يشرح لطلابه العلاقة الدقيقة بين البنية اللغوية والمعنى الثقافي، مستشهداً بأمثلة واقعية توضح كيف يتغير معنى الكلمة بحسب السياق، وهو ما يظهر فهمه العميق للغة والثقافة، وفقا لوزير الخارجية الصومالي الأسبق.
وقال وزير الخارجية الصومالي الأسبق يوسف غراد عمر عن الفقيد: “. عيسى محمد سياد كان عالمًا موسوعيًا ومصلحًا وطنيًا بحق، وقد أسهم إسهامًا كبيرًا في تطوير اللغة الصومالية وتعزيز قواعدها الأكاديمية. جهوده في إعداد المعاجم والبحوث اللغوية لم تكن مجرد أعمال علمية، بل كانت ركائز أساسية للحفاظ على التراث اللغوي والثقافي لأمتنا الصومالية. كان دائمًا يحفز طلابه على البحث والفهم العميق للغة، وربطها بتاريخنا وثقافتنا، وكان مثالاً للعالم الذي يخدم أمته بعلمه قبل أي شيء آخر.”
وأضاف ؛ من أبرز إنجازاته مشاركته في مشروع إعداد المعجم الصومالي، الذي يعد من أهم المراجع اللغوية في تاريخ الصومال. بعد الجهد الفردي الذي بذله ياسين عثمان كيندييد في جمع نحو 14 ألف كلمة، قاد البروفيسور عيسى فريقًا من اللغويين والمؤرخين والباحثين لتجميع معجم يضم 60 ألف كلمة، ثم توسع المشروع لاحقًا إلى 100 ألف كلمة. ورغم أن المرحلة الأخيرة توقفت بعد إعفائه من رئاسة قسم المعاجم، فإن جهده ظل أساسًا اعتمد عليه لاحقًا كل من البروفيسور عبد الله عمر منصور وأنّاريتا بولييلي في تطوير النسخة الحديثة من المعجم الصومالي، التي استفادت من عمله في جمع وتصنيف الكلمات بدقة علمية.
لم يكن عيسى محمد سياد مجرد أستاذ جامعي، بل كان وطنياً حقيقيًا. ففي عام 1993، أثناء الاشتباكات بين القوات الصومالية وقوات الأمم المتحدة بقيادة إيطاليا في مقديشو، لعب دورًا محورياً في تهدئة الموقف وإنهاء المواجهات الدامية التي وصفها الإعلام الإيطالي حينها بأنها “جحيم مقديشو”. وقد ظهر إلى جانب قائد القوات الإيطالية وهو يلوّح بأغصان الزيتون من فوق سيارة مفتوحة في شوارع العاصمة، في مشهد مؤثر حمل رسالة سلام وسط الدمار والاقتتال، وهو ما يعكس شجاعته والتزامه بالمصلحة الوطنية.
تميّز الراحل بعلمه الغزير وتواضعه الجم، وبأسلوبه التربوي الفريد الذي ربط بين اللغة والهوية والثقافة. كان يؤمن أن اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي وعاء الوعي الجمعي للأمة. وبفضل جهوده وجهود أمثاله، ظلت اللغة الصومالية حية ومتطورة رغم تقلبات الزمن.
رحم الله الأستاذ عيسى محمد سياد، وجزاه خير الجزاء على ما قدّم للغة الصومالية وللوطن من علم وجهد وإخلاص. نسأل الله أن يتغمّده بواسع رحمته، وأن يُلهم أسرته وطلابه وزملاءه الصبر والسلوان.












