مقديشو برس / بقلم/ العميد الركن عبدالرحمن محمد توريري، رئيس جهاز الاستخبارات السابق ورئيس بعثة الصومال لدى التحالف العسكرى الاسلامى
أكتب هذا المقال وأنا أحمل جملة من المخاوف بشأن التطورات المتسارعة في المشهد الصومالي، خصوصًا ما يتعلق بالأمن البحري وإدارة السواحل، في ظل استمرار التوتر بين الحكومة الفيدرالية وبعض الإدارات الإقليمية، وتعدد القراءات السياسية للأحداث الأمنية الجارية.
من منظور تحليلي، تبدو الساحة الصومالية أمام حالة من التشابك بين السياسة والأمن، حيث تتداخل المواقف الرسمية مع الحسابات المحلية والإقليمية، في بيئة تتسم بالحساسية العالية. وفي هذا السياق، تبرز مخاوف من وجود جهات فاعلة محلية تتحرك ضمن هذا المشهد المعقد، وتعيد تقديم نفسها تحت عناوين التنمية والاستقرار، بينما قد تساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في خلق بيئة غير مستقرة تسمح بعودة أنشطة غير قانونية مثل القرصنة البحرية.
وتأتي هذه المخاوف في ظل تصريحات سياسية أدلى بها حاكم ولاية بونتلاند أمام البرلمان المحلي، اتهم فيها الحكومة الفيدرالية بتسهيل أنشطة القرصنة في بعض المناطق. وقد أثارت هذه التصريحات جدلًا واسعًا، ليس فقط بسبب مضمونها، بل أيضًا بسبب توقيتها، الذي يتزامن مع جهود الحكومة الفيدرالية في تعزيز مشروع دمج القوات وبناء جيش وطني موحد، باعتباره أحد أهم ركائز بناء الدولة.
ومن الناحية المؤسسية، يمثل مشروع توحيد القوات خطوة استراتيجية في اتجاه إعادة بناء منظومة الأمن الوطني، غير أن الاعتراضات الصادرة من بعض الإدارات الإقليمية تعكس استمرار الخلاف حول توزيع الصلاحيات بين المركز والأقاليم، وهو خلاف يؤثر بشكل مباشر على فعالية التنسيق الأمني العام، خاصة في القضايا ذات الطابع الوطني مثل الأمن البحري ومكافحة القرصنة.
كما أن تصاعد الخطاب السياسي المتبادل حول قضايا أمنية حساسة قد يؤدي إلى تحويل بعض الملفات من سياقها الأمني إلى سياق سياسي، الأمر الذي يضعف القدرة على بناء رؤية موحدة لمعالجة التهديدات، ويزيد من احتمالات سوء الفهم وتعدد التفسيرات داخل المنظومة الوطنية.
وفي المقابل، فإن استمرار ضعف التنسيق الأمني في المناطق الساحلية الممتدة على خليج عدن والمحيط الهندي قد يخلق فراغات أمنية يمكن أن تستغلها شبكات الجريمة المنظمة، خاصة في ظل الطبيعة الجغرافية المعقدة لهذه السواحل واتساعها، ما يجعل مراقبتها وتأمينها مهمة شديدة التعقيد.
وتزداد أهمية هذا الملف بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للصومال، الذي يشكل نقطة عبور رئيسية في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، حيث تمر عبر خليج عدن وباب المندب نسبة كبيرة من التجارة الدولية، الأمر الذي يجعل أي اضطراب أمني في هذه المنطقة ذا تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد.
وفي سياق ميداني متصل، شهدت المياه الإقليمية في خليج عدن والسواحل الصومالية خلال الأيام الأخيرة هجمات مسلحة استهدفت سفنًا تجارية، ما أعاد إلى الواجهة مخاوف متجددة من احتمال عودة نشاط القرصنة البحرية بعد سنوات من التراجع النسبي الذي تحقق بفضل العمليات الدولية المشتركة والتنسيق الأمني البحري.
كما زادت حادثة احتجاز طاقم السفينة MT Honour 25 من حدة القلق لدى شركات الملاحة الدولية، وأعادت طرح تساؤلات حول مدى استقرار الوضع الأمني في الممرات البحرية الحيوية، وقدرة الجهات الفاعلة على احتواء مثل هذه التهديدات في الوقت المناسب.
وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن البيئة البحرية في المنطقة لا تزال حساسة وقابلة للتأثر بأي اختلالات سياسية أو أمنية داخلية، وهو ما يعزز أهمية استمرار الجهود الدولية والإقليمية في مراقبة الممرات البحرية وتنسيق الاستجابة السريعة لأي تهديدات محتملة.
وفي الختام، يمكن القول إن معالجة هذا الملف تتطلب مقاربة شاملة تقوم على تعزيز مؤسسات الدولة الفيدرالية، ودعم مسار توحيد القوات، وتكريس التعاون بين مختلف المستويات الحكومية، بما يضمن عدم عودة ظاهرة القرصنة، ويحافظ على استقرار واحد من أهم الممرات البحرية












