مقديشو برس/ بقلم الصحفي: أحمد محمد أحمد
فتحت العاصمة الصومالية مقديشو، صباح الخميس، صفحة جديدة في تاريخها السياسي، مع انطلاق أول انتخابات مباشرة للمجالس المحلية منذ أكثر من 57 عامًا، في خطوة وُصفت بأنها مفصلية في مسار التحول الديمقراطي وبناء الحكم المحلي في البلاد.
منذ الساعات الأولى للفجر، توافد آلاف المواطنين من مختلف الفئات العمرية والاجتماعية إلى مراكز الاقتراع المنتشرة في مديريات العاصمة، في مشهد غير مسبوق عكس تعطّشًا شعبيًا طويل الأمد لممارسة الحق الدستوري في الاختيار المباشر.
تنظيم واسع وانتشار أمني
وبحسب الجهات الرسمية، افتُتحت 523 مركز اقتراع في تمام الساعة السادسة صباحًا بالتوقيت المحلي، وأُغلقت عند السادسة مساءً، لتغطي 16 مديرية من أصل 20 مديرية في محافظة بنادر.
وأفادت اللجان المختصة بأن 503,916 ناخبًا تسلموا بطاقات الاقتراع من بين المسجلين، تمهيدًا للإدلاء بأصواتهم لاختيار ممثليهم في المجالس المحلية.
العملية الانتخابية جرت وسط إجراءات أمنية مشددة، تولّت قوات الشرطة الصومالية تنفيذها، لضمان سلامة الناخبين وسير الاقتراع دون خروقات تُذكر، في وقت أكدت فيه اللجان الانتخابية أن الخطة الموضوعة نُفذت وفق المعايير المعتمدة.
مشاركة رمزية ورسائل سياسية
المشهد الانتخابي حمل دلالات رمزية لافتة، مع مشاركة كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة والشباب والنساء.
تقول هند، وهي سيدة سبعينية: “أصوّت اليوم وأنا في هذا العمر… لم أتخيل أن أعيش لأرى هذا اليوم”، بينما أكد ممثل ذوي الاحتياجات الخاصة في مديرية هلوا أن الأجواء كانت سلمية وأن الإقبال فاق التوقعات.
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود وصف الانتخابات بأنها محطة تاريخية مفصلية وحلم طال انتظاره، مؤكدًا أنها تشكّل خطوة أساسية نحو الانتخابات الدستورية الشاملة، وتعكس استعادة الحكم الرشيد وتعزيز الأمن في مقديشو.
كما أدلى الرئيس بصوته في مركز مسرح الدولة الوطنية، داعيًا سكان بنادر إلى المشاركة الفاعلة، ومشيرًا إلى أن التصويت الشعبي هو الأساس لبناء قيادة محلية شفافة وقادرة على تحقيق التنمية.
من جانبه، اعتبر رئيس الوزراء حمزة عبدي بري أن الانتخابات المباشرة تمثل لحظة تاريخية تعكس التزام الحكومة بحق المواطنين في اختيار ممثليهم، مؤكدًا خلال جولة تفقدية شملت عدة مديريات أن احترام إرادة الناخبين والشفافية ركيزتان لا غنى عنهما لترسيخ ديمقراطية حقيقية.
أما نائب رئيس الوزراء صالح أحمد جامع، فقد شدد عقب إدلائه بصوته في مديرية هودن على أن هذه الانتخابات تعكس تنامي الوعي السياسي وعودة القرار إلى القاعدة الشعبية، داعيًا إلى الحفاظ على الأمن والاستقرار طوال العملية الانتخابية.
إشادة إقليمية ودولية
الانتخابات حظيت بمتابعة إعلامية واسعة، شملت صحفًا عربية ودولية وقنوات فضائية ووكالات أنباء عالمية، في مؤشر على الأهمية السياسية للحدث.
وعلى الصعيد الإقليمي، رحّب رئيس البرلمان العربي محمد بن أحمد اليماحي بإجراء الانتخابات، واصفًا إياها بخطوة مفصلية في مسار بناء الدولة وتعزيز المواطنة والمشاركة الشعبية.
كما هنّأ رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي محمود علي يوسف الشعب الصومالي على سير الانتخابات بهدوء وانتظام، معتبرًا أنها تشكل خطوة أولية مهمة في تعزيز الحكم الديمقراطي، ومؤكدًا التزام الاتحاد الإفريقي بمواصلة دعم الصومال في مسيرته نحو السلام والاستقرار.
اكتمال الفرز وترقّب النتائج
صباح الجمعة، أعلن رئيس اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات والحدود عبد الكريم أحمد حسن الانتهاء من عملية فرز الأصوات في جميع مراكز الاقتراع، مشيرًا إلى أن آخر مركز أغلق أبوابه عند الساعة الثانية والنصف فجرًا.
وأوضح أن عملية الفرز جرت داخل مراكز التصويت نفسها، وأن اللجنة دخلت مرحلة تجميع النتائج الواردة من المديريات، تمهيدًا لإعلان النتائج الرسمية وفق الأطر القانونية المعتمدة.
وبحسب القانون، ستُحال النتائج بعد إعلانها إلى المحكمة العليا للفصل النهائي فيها، وسط جدل سياسي، حيث شككت بعض أطراف المعارضة في نزاهة العملية، معتبرة أنها صبّت في مصلحة حزب بعينه، وهي اتهامات تنفيها الجهات الرسمية.
يشارك في هذه الانتخابات 20 حزبًا سياسيًا يتنافسون على 390 مقعدًا في مجالس 16 مديرية، في تجربة تُعد الأولى من نوعها منذ أكثر من نصف قرن.
وبين الإشادة الرسمية والدعم الإقليمي والدولي، تبقى انتخابات بنادر اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة الصومالية على ترسيخ الحكم المحلي، وتحويل المشاركة الشعبية من حدث استثنائي إلى ممارسة سياسية مستدامة، في بلد لا يزال يسعى لتجاوز إرث طويل من الصراع وعدم الاستقرار.
وتتهم قوى المعارضة الحكومةَ الفدرالية باتخاذ ما وصفته بـ“إجراءات انتخابية أحادية”، على خلفية تنظيم انتخابات المجالس البلدية، وهو ما دفعها إلى مقاطعة العملية الانتخابية وعدم الاعتراف بمخرجاتها.
وفي هذا السياق، اعتبر الرئيس الصومالي الأسبق، شيخ شريف شيخ أحمد، أن الانتخابات البلدية الجارية تخالف الدستور المؤقت للبلاد، محذرًا من أنها تنطوي على مخاطر أمنية وسياسية قد تقود الصومال إلى حالة من عدم الاستقرار. وأكد شيخ شريف رفضه المسبق لنتائج هذه الانتخابات، داعيًا إلى توافق سياسي شامل قبل المضي في أي استحقاقات انتخابية.
في المقابل، يرى مراقبون أن الانتخابات البلدية الحالية تمثل خطوة فارقة في مسار التحول الديمقراطي في الصومال، رغم الجدل السياسي المصاحب لها، معتبرين أنها تشكّل تجربة أولية لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، وتمهيدًا لاستحقاقات وطنية أوسع.
وكان الصومال قد شهد في أبريل/نيسان الماضي أول عملية تسجيل للناخبين منذ عقود، حيث جرى تسجيل نحو 400 ألف ناخب، في إطار التحضيرات للانتقال إلى نظام انتخابي يقوم على الاقتراع الشعبي المباشر.
ومن المتوقع أن تشهد البلاد انتخابات برلمانية ورئاسية عام 2026، مع اقتراب نهاية ولاية الرئيس حسن شيخ محمود، وسط تحديات سياسية وأمنية معقدة.
ويحاول الصومال النهوض من إرث طويل من النزاعات والفوضى والانهيار المؤسسي، إلى جانب ما يواجهه من كوارث طبيعية متكررة، وحرب مستمرة ضد الجماعات المسلحة، في مسار لا يزال محفوفًا بالتحديات، لكنه يحمل في طياته مؤشرات على تحولات سياسية غير مسبوقة
ويبقى السؤال المطروح: هل تنجح هذه التجربة في فتح الطريق أمام انتخابات وطنية شاملة تعيد رسم المشهد السياسي الصومالي، أم أنها ستظل محطة رمزية في مسار طويل لم يكتمل بعد؟












