مقديشو برس/ أحمد محمد أحمد
في الحادي والعشرين من يناير من كل عام، لا يستعيد الصوماليون مجرد تاريخ عابر في سجل المناسبات الوطنية، بل يستحضرون لحظة مفصلية أعادت تشكيل علاقتهم بالكلمة المكتوبة، وبالهوية، وبالدولة. إنه يوم إصدار أول جريدة باللغة الصومالية عام 1973، اليوم الذي خرج فيه الإعلام من دائرة النخب واللغات الأجنبية إلى فضاء الشعب، متحدثًا بلسانه، ومعبّرًا عن همومه، وموثقًا لتاريخه.
لم يكن تدوين اللغة الصومالية ولا إطلاق أول صحيفة بها قرارًا تقنيًا أو إداريًا فحسب، بل كان اختيارًا سياسيًا وثقافيًا بامتياز. فالدول لا تُبنى بالسلاح وحده، ولا بالخطط الاقتصادية فقط، بل بالكلمة التي توحد، وباللغة التي تصنع الوعي الجمعي. ومن دون إعلام وطني ناطق بلغة المجتمع، تظل الدولة غريبة عن شعبها، مهما امتلكت من مؤسسات.
قبل الاستقلال، لعب الإعلام الصومالي دورًا تحرريًا واضحًا، إذ تحولت الصحف والإذاعات الوليدة إلى أدوات مقاومة للاستعمار، ومنابر لنشر الوعي القومي. كانت الكلمة آنذاك سلاحًا ناعمًا في مواجهة الهيمنة، وساهمت في بلورة فكرة الوطن الواحد، رغم التشرذم الجغرافي والسياسي. ومع الاستقلال، بدا واضحًا أن الإعلام سيكون شريكًا في بناء الدولة، لا مجرد ناقل للأخبار.
وخلال فترة الحكم المدني، تنفّس الإعلام الصومالي شيئًا من الحرية، وتعددت الصحف والمنابر، وتأسست وكالة الأنباء الوطنية لتكون صوت الدولة والمجتمع معًا. غير أن هذا المسار لم يدم طويلًا، إذ جاءت مرحلة الحكم العسكري، التي قيدت حرية التعبير، لكنها في المقابل أنجزت أهم تحول لغوي في تاريخ الصومال الحديث، حين جعلت اللغة الصومالية لغة رسمية مكتوبة، وأطلقت أول صحيفة بها.
ذلك التناقض يلخص إحدى إشكاليات تاريخ الإعلام الصومالي: إنجازات كبرى تحققت أحيانًا في ظل بيئات سياسية خانقة، وهو ما يطرح سؤالًا مشروعًا حول العلاقة المعقدة بين السلطة والإعلام، وبين الدولة والحرية. ثم جاء انهيار الدولة عام 1991 ليقلب المشهد رأسًا على عقب.
فبينما انهارت المؤسسات الرسمية، وُلد إعلام خاص ومستقل، مدفوعًا بمبادرات فردية وروح المغامرة. كان ذلك الإعلام صاخبًا، غير منظم أحيانًا، لكنه كسر احتكار المعلومة، وفتح المجال أمام النقد، وأعاد للصحافة دورها الطبيعي كعين للمجتمع ولسان حاله.
غير أن الحرية غير المؤطرة، كما أثبتت التجربة، لا تكفي وحدها. فالإعلام الصومالي اليوم يقف أمام تحديات جسيمة: تهديدات أمنية، اغتيالات، ضعف التدريب، غياب التشريعات الرادعة، وانتشار الأخبار المضللة في عصر المنصات الرقمية. وهي تحديات لا تهدد الصحفيين وحدهم، بل تهدد حق المجتمع في المعرفة، وحق الدولة في الاستقرار.
إن إحياء يوم إصدار أول جريدة باللغة الصومالية يجب ألا يظل مناسبة للتهنئة فقط، بل لحظة مراجعة صريحة. مراجعة لدور الإعلام: هل ما زال صوتًا للحقيقة أم أداة للاستقطاب؟ هل يخدم المصلحة العامة أم يلهث خلف الإثارة؟ وهل نحن نحتفي باللغة الصومالية فعلًا، أم نهمّشها لصالح لغات أخرى في أخطر فضاءات التأثير؟
الإعلام، كما هو معروف، سيف ذو حدين. يمكنه أن يكون جسرًا للوحدة، أو وقودًا للانقسام. ويمكنه أن يساهم في بناء الدولة، أو في تقويضها من الداخل. ولذلك فإن مسؤولية الصحفي الصومالي اليوم مضاعفة: أن يكون مهنيًا في زمن الفوضى، وأن يكون وطنيًا دون أن يكون بوقًا، وأن يكون ناقدًا دون أن يتحول إلى معول هدم.











