مقديشو برس / بقلم أبوبكر بشير محمد
ان مؤتمر عرتا نقطة تحول تاريخية في مسيرة الصومال الحديث، ووقفة جماعية لإعادة تقييم مكتسبات ثورةة لم تتمكّن من تحقيق آمالها. فبعد عشر سنوات من حربٍ أهليةٍ مدمّرة أنهكت البلاد وأهدرت طاقاتها، اجتمعت القوى المدنية الصومالية في عرتا – جبل الأولياء، لتبدأ رحلةً جديدة نحو استعادة الوعي الوطني، وبناء دولةٍ مدنيةٍ ديمقراطيةٍ تستمد شرعيتها من الدستور، وتعبّر عن تطلعات الشعب في السلام والتنمية والكرامة.
وبعد مرور خمسةٍ وعشرين عاماً على تلك اللحظة التاريخية، يمكن القول إن الصومال قطع شوطاً مهماً في طريق التعافي وإعادة البناء. فقد توقّف لهيب الحرب الأهلية، وتشكلت مؤسسات دستورية تعبّر عن الإرادة الشعبية، ومارسنا مبدأ تداول السلطة عبر انتخاباتٍ متعاقبة، ووضعنا أسس نظامٍ سياسيٍ فيدراليٍ له إيجابياته وتحدياته، كما شهدت البلاد تحسناً نسبيا في أوضاعها الاقتصادية، وبدأت ملامح الحياة المدنية تعود شيئا فشيئا إلى مختلف مناطقها.
ومع ذلك، لا يزال الطريق طويلا نحو الغاية الكبرى: بناء دولةٍ رشيدةٍ قوية تبسط سيادتها على كامل أراضيها، وتضمن الأمن والعدالة والخدمات لجميع مواطنيها ومقيميها دون تمييز. فالعقبة الحقيقية ليست في شح الموارد أو تنوع مكونات المجتمع، بل في القدرة على التمييز بين ما هو محل اختلاف مشروع وما هو من الثوابت الوطنية الجامعة، وبين ما هو حزبي ضيق وما هو وطني جامع، فالدولة لا تُبنى بالشعارات، بل بإرادة صادقة، ورؤية مشتركة، وممارسة سياسية مسؤولة.
إن أمامنا اليوم فرصة تاريخية لتجديد المسار، فرصة للتغيير لا تقتصر على تبدّل الأشخاص والمناصب، بل تشمل تجديد الفكر والعقل والرؤية والآليات. فالأمم التي تصنع نهضتها هي التي تتعلم من أخطائها، وتحول معاناتها إلى دروسٍ، وتبني مستقبلها على وعيٍ عميقٍ بتاريخها، وإحساس عال بالمسؤولية تجاه أجيالها القادمة.
إن التاريخ يُكتب اليوم، وستحكم علينا الأجيال المقبلة بما أنجزناه وما قصّرنا فيه. وفي ظل المرحلة الراهنة، تقود الحكومة الصومالية برئاسة فخامة الرئيس حسن شيخ محمود البلاد، وتواجه قضايا عديدة ومتنوعة تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية وغيرها، مما يتطلب منا جميعا التعامل معها بروحٍ إيجابية ومسؤولية وطنية، ويجب على الحكومة اعتماد أقصى درجات الشفافية في حواراتها مع القوى الوطنية، وعدم تغليب المصالح الآنية على المصالح الاستراتيجية الكبرى.
وفي هذا المقام، لا يسعنا إلا أن نعبّر عن خالص الشكر والتقدير لجمهورية جيبوتي الشقيقة التي وقفت مع الصومال في أحلك الظروف، واحتضنت مؤتمر عرتا لتفتح أمام شعبنا نافذة أملٍ جديدة، وأخص بالشكر فخامة الرئيس إسماعيل عمر جيلي، الذي جعل منذ تولّيه زمام الحكم قضية الصومال محور جهوده السياسية والدبلوماسية، إيماناً منه بوحدة المصير ومسؤولية الجوار.
ولن ننسى كذلك أولئك النخب الوطنية – من السياسيين والعلماء والمفكرين والأكاديميين والفنانين والإعلاميين – الذين شاركوا في صياغة تلك اللحظة التاريخية مع مطلع الألفية الثالثة. رحم الله من رحل منهم عن دنيانا، وحفظ الله الأحياء، وبارك جهود شعبنا في مسيرته الوطنية الطويلة والطموحة للخروج من ويلات الحرب والفقر إلى رحاب السلام والاستقرار والازدهار.












