مقديشو برس – 1 فبراير 2026
دخل مسار الحوار الوطني في الصومال مرحلة جديدة من التعقيد، عقب تصاعد الاتهامات المتبادلة بين الحكومة الفيدرالية ومجلس المستقبل الصومالي، على خلفية قرار السلطات إعادة طائرتين كانتا تقلّان فرقًا تمهيدية من ولايتي بونتلاند وجوبالاند، ما ألقى بظلاله على الجهود الرامية إلى التوصل لتوافق سياسي حول الانتخابات والدستور.
موقف الحكومة: اعتبارات أمنية وخرق للإجراءات
وقالت الحكومة الفيدرالية الصومالية إن قرار إعادة الرحلتين القادمتين من غروي وكيسمايو جاء بدافع الحرص على الأمن، متهمة أطرافًا في مجلس المستقبل بمحاولة إدخال قوات مسلحة وأسلحة إلى العاصمة مقديشو خارج الأطر والإجراءات المعتمدة.
وذكرت وزارة الأمن الداخلي في بيان رسمي أن ما جرى يُعد انتهاكًا واضحًا للأنظمة الخاصة بتأمين مطار آدم عدي الدولي، ويشكّل تهديدًا مباشرًا لأمن العاصمة، مؤكدة أن إدخال أي عناصر مسلحة أو معدات أمنية يجب أن يتم عبر القنوات الرسمية وبموافقات مسبقة.
وشددت الوزارة على أن الحكومة لا تزال ملتزمة باستضافة الحوار الوطني في أجواء آمنة ومستقرة، وأن الدعوة الموجهة للأطراف السياسية ما زالت قائمة، داعية الجميع إلى احترام البروتوكولات الأمنية وعدم تسييس القضايا المرتبطة بأمن البلاد.
مجلس المستقبل: تعطيل متعمد وتقويض للثقة
في المقابل، أعرب مجلس المستقبل الصومالي المعارض عن إدانته الشديدة لما وصفه بـ”القرار غير المسؤول”، معتبرًا أن إعادة الطائرات تمثل محاولة متعمدة لتعطيل الحوار الوطني وتقويض الثقة بين الأطراف.
وأوضح المجلس أن الرحلتين كانتا تقلان وفودًا تمهيدية تضم مسؤولين وإعلاميين وعناصر حماية، جرى الاتفاق مسبقًا على مشاركتهم ضمن ترتيبات الحوار، مشيرًا إلى أن جميع الجوانب التنظيمية والأمنية قد نوقشت وأُقرت قبل بدء التحضيرات.
وحذّر المجلس من أن هذه الخطوة عرّضت سلامة الوفود للخطر، واعتبرها جزءًا من سلسلة إجراءات تهدف إلى عرقلة الحوار، إلى جانب تصريحات واجتماعات قال إنها تتعارض مع روح التوافق، فضلًا عن الخلافات القائمة بشأن التعديلات الدستورية.
وأكد مجلس المستقبل، في الوقت نفسه، استعداده المبدئي لمواصلة الحوار، مع ضرورة إعادة تقييم آلياته وضمان مشاركة حقيقية وفعالة لجميع الأطراف دون إقصاء أو شروط مسبقة.
ردود فعل دولية: قلق ودعوات للاحتواء
أثار تطور الأزمة قلقًا واسعًا لدى الشركاء الدوليين. فقد أعرب الاتحاد الأوروبي عن أسفه لعدم تمكن الفرق التمهيدية من بونتلاند وجوبالاند من الوصول إلى مقديشو، معربًا عن أمله في أن تتغلب الأطراف الصومالية على أي سوء فهم، وأن يتم تهيئة بيئة مناسبة لانعقاد الحوار، بما يقود إلى تقدم ملموس في ملف الانتخابات.
من جانبها، عبّرت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة الصومال (أونتميس) عن قلقها إزاء تعثر وصول الفرق الفنية بسبب عدم استكمال الموافقات التقنية اللازمة، داعية جميع الأطراف إلى إعطاء الأولوية للحوار المتفق عليه، وتسريع عمل اللجان الفنية، وإنهاء التحضيرات قبل انتهاء الآجال الدستورية.
كما حثّت البعثة الأممية الحكومة الفيدرالية وقيادة مجلس المستقبل على بذل جهود إضافية لبناء الثقة وخلق مناخ سياسي إيجابي يسمح بحوار شامل وفعّال، يُفضي إلى اتفاق يحظى بقبول وطني واسع.
ماذا بعد؟
تضع هذه الأزمة مسار الحوار الوطني أمام مفترق طرق حقيقي. فمن جهة، تتمسك الحكومة بمنطق “الأمن أولًا”، ومن جهة أخرى، ترى قوى سياسية معارضة أن الإجراءات الأمنية تُستخدم كأداة ضغط سياسي وإقصاء غير معلن.
السيناريو الأول يتمثل في احتواء سريع للأزمة، عبر تدخل مباشر من الشركاء الدوليين واللجان الفنية، وإعادة التوافق على الترتيبات الأمنية بما يضمن حضور جميع الأطراف، وهو خيار قد يعيد الزخم للحوار ويجنب البلاد مزيدًا من الانسداد السياسي.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في استمرار التصعيد وفقدان الثقة، ما قد يؤدي إلى تعطيل الحوار أو عقده في غياب أطراف رئيسية، وهو ما سينعكس سلبًا على شرعية أي مخرجات مستقبلية، سواء في ملف الانتخابات أو التعديلات الدستورية.
في كل الأحوال، تبدو المرحلة المقبلة حاسمة، إذ إن قدرة الأطراف الصومالية على الفصل بين الاعتبارات الأمنية والخلافات السياسية ستحدد ما إذا كان الحوار الوطني سيشكل بوابة للحل، أم محطة جديدة تُضاف إلى سلسلة الأزمات المؤجلة في المشهد السياسي الصومالي.











