مقديشو برس
بقلم/ العميد الركن عبدالرحمن محمد توريري، رئيس جهاز الاستخبارات السابق ورئيس بعثة الصومال لدى التحالف العسكرى الاسلامى
عندما يُطرح الحديث عن إصلاح النظام الفيدرالي في الصومال، ينصبّ النقاش غالبًا على أداء الحكومة الفيدرالية وأخطائها. غير أن السؤال الأهم الذي ينبغي طرحه اليوم هو: إذا كان من الممكن تصحيح أخطاء المركز عبر الآليات الدستورية والسياسية، فمن الذي يصحح أخطاء الأقاليم نفسها؟
لقد بات واضحًا أن بعض الإدارات الإقليمية تحولت إلى مراكز سلطة شبه مطلقة، حيث يسعى كل من يصل إلى رئاسة ولاية فيدرالية إلى إطالة بقائه في الحكم بأشكال مختلفة، خاصة خلال الفترات السياسية الحساسة. ويبرز ذلك من خلال محاولات بعض رؤساء الولايات تشكيل كتل برلمانية كبيرة داخل البرلمان الفيدرالي، عبر الدفع بعدد كبير من النواب الذين يتم اختيارهم وفق حسابات الولاء السياسي أكثر من معايير التمثيل الحقيقي للمجتمع.
ولا يخفى أن الهدف من ذلك هو التأثير في موازين القوى داخل السلطة الفيدرالية، أو إعادة تشكيل المشهد السياسي بما يخدم مصالح تلك القيادات الإقليمية. وفي بعض الأحيان يتم التنسيق مع قوى سياسية أو إدارات إقليمية أخرى لها مصالح مشتركة، بحيث تتحول العملية السياسية إلى شبكة من التحالفات المؤقتة التي لا تقوم بالضرورة على أسس مؤسسية أو برامج سياسية واضحة.
إن مثل هذه الممارسات لا تخدم الأمن الوطني ولا الاستقرار السياسي، كما أنها تضعف مفهوم التمثيل الديمقراطي. فعملية اختيار النواب كثيرًا ما تتحول إلى مسار معقد يفتقر إلى الشفافية، حيث يجد كثير من الشخصيات الوطنية – من أكاديميين ووزراء سابقين وقادة مجتمع وزعماء تقليديين – أنفسهم مضطرين للدخول في سباق مرهق من أجل الحصول على دعم سياسي من مسؤول إقليمي يمتلك سلطة واسعة في تحديد من يصل إلى البرلمان.
وفي ظل هذه الظروف، تتحول السياسة أحيانًا إلى ساحة للمساومات المالية والنفوذ الشخصي، وهو ما يقوض ثقة المجتمع في المؤسسات السياسية ويضعف شرعية النظام الفيدرالي نفسه.
والواقع أن هذه المشكلة لا تقتصر على ولاية بعينها، بل تكاد تكون ظاهرة عامة بدرجات متفاوتة، إذ تفتقر معظم الإدارات الإقليمية إلى آليات رقابة فعالة أو ضوابط قانونية تحدّ من تغول السلطة التنفيذية داخل الولاية. ومع غياب تلك الضوابط، يجد الفاعلون السياسيون أنفسهم أمام خيارين صعبين: إما الدخول في صراع سياسي مفتوح، أو القبول بالأمر الواقع.
من هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة جدية لبعض الأسس التي يقوم عليها النظام الفيدرالي. ومن بين المقترحات التي تستحق النقاش إدراج نص دستوري يتيح تشكيل الولايات الفيدرالية على أساس إقليم واحد أو أكثر، بما يسمح بإعادة النظر في البنية الحالية للإدارات الإقليمية.
فمثل هذا التوجه قد يسهم في تقليل التوترات السياسية بين المكونات الإقليمية، ويعزز في الوقت نفسه علاقة الأقاليم بالحكومة الفيدرالية. كما أن عدد النواب القادمين من كل إقليم سيكون محدودًا نسبيًا، الأمر الذي يقلل من قدرة أي طرف إقليمي على تشكيل كتل برلمانية كبيرة تؤثر بشكل حاسم في الانتخابات الرئاسية.
وفي المقابل، قد يساهم هذا النموذج في تعزيز التمثيل السياسي المحلي، حيث تصبح المنافسة السياسية أقرب إلى المجتمع المحلي وأكثر ارتباطًا باحتياجاته الفعلية، بدلاً من أن تتحول إلى صراع واسع بين تحالفات قبلية أو إقليمية كبيرة.
ولا ينبغي فهم هذه الأفكار على أنها انحياز لطرف سياسي دون آخر، بل هي محاولة لطرح نقاش جاد حول كيفية إصلاح اختلالات بنيوية في النظام السياسي. فإصلاح الحكومة الفيدرالية ممكن عبر الانتخابات والبرلمان والقوانين والمؤسسات، لكن إصلاح الإدارات الإقليمية يظل أكثر تعقيدًا، لأنها كثيرًا ما تستند إلى تعبئة قبلية تجعل أي نقد سياسي يبدو وكأنه استهداف لمكون اجتماعي بعينه.
إن استمرار هذا الواقع يهدد بتقويض مشروع الدولة الفيدرالية نفسه، ويغذي الانقسامات السياسية والاجتماعية داخل البلاد. ولذلك فإن مواجهة الاستبداد لا ينبغي أن تقتصر على مستوى الحكومة الفيدرالية وحدها، بل يجب أن تمتد أيضًا إلى داخل الأقاليم حيث قد تتخذ السلطة غير المقيدة أشكالًا مختلفة.
فالإصلاح الحقيقي يبدأ بالاعتراف بأن الاستبداد يمكن أن يظهر في أي مستوى من مستويات الحكم، وأن بناء دولة مستقرة وعادلة يتطلب نظامًا سياسيًا متوازنًا يخضع فيه الجميع – مركزًا وأقاليم – لسيادة القانون والمساءلة.











