الرياض/ مقديشو برس
بقلم : العميد الركن/ عبد الرحمن محمد توريرى، رئيس جهاز الاستخبارات السابق ورئيس بعثة الصومال لدى التحالف العسكرى الاسلامى.
على مدار الخمسة وعشرين عامًا الماضية، لم تعرف الصومال إنجازًا سياسيًا أو خطوة حقيقية نحو بناء الدولة، إلا وكانت محل خلاف وانقسام بين الأطراف السياسية، ولم يسبق أن توحدت القوى الوطنية حول قرار واحد، بل كان المشهد يتكرر بنفس الصورة: فريق في السلطة يفرض قراراته بالقوة أو الحيلة، ومعارضة ترفض، وتهاجم، وتشكك، ثم مع مرور الزمن يتحول الرفض إلى إشادة، وتُكتب القرارات في صفحات التاريخ بوصفها خطوات “جريئة” و”مباركة”
مؤتمر “عرتا” الذي انعقد في جيبوتي عام 2000 وأسس لعودة الدولة الصومالية كان البداية، غير أن الأمر لم يكن محل توافق، حيث رفضه أمراء الحرب الذين كانوا يسيطرون فعليًا على العاصمة مقديشو ومحيطها.
أما مؤتمر “إلدوريت” في كينيا، فقد قوبل هو الآخر برفض واسع، خاصة من قبل المجتمع المدني ووجهاء الأقاليم الجنوبية والوسطى، وعلى رأسهم سكان العاصمة مقديشو الذين لم يكونوا راضين عن نتائجه ولا عن الجهات التي مثلت الصومال حينها.
عندما جاء وقت بسط سلطة الدولة على العاصمة واستعادة السيطرة على المرافق السيادية مثل القصر الرئاسي والمطار والميناء الدوليين، لم يكن هناك إجماع، بل على العكس، تعرضت النخبة السياسية التي دعمت هذا التوجه لموجة رفض واسعة، حتى أن الرئيس عبدي قاسم صلاد حسن اضطر، بسبب هذا الانقسام، إلى استئجار منزل خاص في حي “هدن”، بعد أن مُنع من الإقامة في القصر الرئاسي نتيجة الخلافات الحادة مع الأطراف المسلحة التي سيطرت عليه.
وفي عام 2006، عندما تحركت الحكومة بقيادة الرئيس عبد الله يوسف ورئيس الوزراء علي محمد غيدي لاستعادة مقديشو، جوبهت تلك الخطوة بموجة غضب وانتقادات واسعة، لكن بعد سنوات، تحولت هذه الخطوة نفسها إلى واحدة من أكثر المواقف التي تحظى بالإشادة، وامتدحها كثيرون ممن عارضوها بشدة في وقتها.
أما في عام 2009، حين تم توقيع اتفاق جيبوتي بين حكومة نور عدي وتحالف إعادة تحرير الصومال، وهو الاتفاق الذي فتح الطريق لانتخاب شيخ شريف شيخ أحمد رئيسًا، لم يكن هناك توافق وطني كامل أيضًا. فقد رفض الرئيس عبد الله يوسف هذا المسار ورفضته كذلك إدارة بونتلاند، وهو ما ألقى بظلاله على مرحلة انتقالية جديدة ولدت بنفس الطريقة: نصف مشهد سياسي راضٍ، ونصف آخر معترض.
وعند مرحلة إقرار الدستور والخروج من المرحلة الانتقالية، تكررت نفس السردية، حيث لم يكن الأمر نتاج حوار شامل بل اتفاق ثنائي بين الرئيس شيخ شريف وحاكم إدارة بونتلاند عبدالرحمن فرولي، من خلال اتفاقي “غروي 1″ و”غروي 2″، بينما واصلت بقية الأطراف الاعتراض على العملية برمتها، لكن عجلة السياسة لم تتوقف تحت وطأة الأصوات المعارضة.
أما في ملف رفع حظر السلاح عن الصومال، وإعفاء الديون، وفتح أبواب الثروات الطبيعية — النفط والغاز — أمام الاستثمار الأجنبي، فغابت بدورها روح التوافق الوطني. إذ وقفت بعض الإدارات المحلية، خاصة في بونتلاند وأرض الصومال، موقف الرافض أو المتحفظ، بل ظهرت تحركات دولية وإقليمية كانت تترقب اللحظة المناسبة للانقضاض على مقدرات البلد في حال فشل التوافق المحلي.
وفي الملف السيادي الأبرز المتعلق بالتنازل المحتمل عن جزء من البحر والأراضي الصومالية لصالح إثيوبيا، في مقابل الاعتراف بـ”أرض الصومال” كدولة مستقلة، عادت الانقسامات للظهور. الحكومة الفيدرالية أعلنت موقفها الرافض، فيما اتخذت بعض الولايات مواقف مغايرة، ووصل الأمر إلى حد سفر بعض المسؤولين المحليين إلى أديس أبابا، في وقت فضّل فيه آخرون الصمت وعدم إعلان موقف واضح، ما أضعف الموقف الرسمي للدولة وأعطى إشارات سلبية للمجتمع الدولي.
إن استعراض مسار الدولة الصومالية خلال هذه الحقبة الطويلة يكشف حقيقة صادمة، لم يكن هناك قرار واحد اتفقت عليه جميع الأطراف السياسية، ولم يُوقع أي اتفاق بإجماع وطني كامل، بل كان الواقع يفرض دوماً أن تسبق القوة التوافق، وأن تتولى الحكومات فرض قراراتها رغم الاعتراض، في حين تكتفي المعارضة بالصراخ والتشكيك، قبل أن تعود لاحقًا للإشادة بنفس القرارات بعد أن يمر الزمن وتظهر نتائجها.
اليوم، يقف الصومال أمام مفترق طرق جديد، حيث تواجه الحكومة تحديين مصيريين: القضاء على الإرهاب، والانتقال إلى نظام انتخابي يقوم على مبدأ “صوت واحد لكل مواطن”. وهما معركتان حاسمتان ستجد الحكومة نفسها وحيدة في كثير من الأحيان، في ظل وجود قوى سياسية تترقب سقوطها، وأخرى ترفض أصلًا فكرة بناء الدولة، فضلاً عن تدخلات قوى أجنبية ترغب في استمرار الوضع الراهن.
وإذا تمكنت الحكومة الحالية، عبر القوة أو الحكمة، من المضي قدمًا وتحقيق إنجاز في هذين الملفين، فسيكون ذلك إنجازًا وطنيًا كبيرًا يسجل باسمها، وسيكون الأشخاص الذين يوجهون لها النقد اليوم، سيكونون أول المادحين لها غدًا. أما إذا عجزت عن تحقيق أي تقدم، خاصة في ملف تحرير البلاد من الإرهاب، فإن الحديث عن الاستقرار والديمقراطية سيظل مجرد أمل بعيد المنال، وستسجل هذه المرحلة باعتبارها إخفاقًا سياسيًا جديدًا يضاف إلى سجل الانتكاسات.
الخلاصة، أن السياسة الصومالية تحكمها معادلة قاسية: الفريق الذي يحكم، إذا كان قويًا كالفولاذ، فإنه يفرض احترامه حتى لو خالف الإجماع، أما إن كان ضعيفًا ولينًا كالبلاستيك، فلن تشفع له نواياه الحسنة ولا أخلاقه السياسية، بل ستسحقه المعارضة حتى آخر لحظة. وهكذا ستبقى السياسة الصومالية حبيسة هذه الدورة المكررة، حيث الفريق القوي وحده من ينال الحظوة، بينما الضعيف لا يُذكر إلا في سياق الخسارة.











