أسماء صالح
باحثة صومالية في العلاقات الدولية
asmaaabdi394@gmail.com
تشير التطورات الأخيرة في منطقة شرق الأوسط الكبير إلى تحوّل ملموس في موازين القوى، وإلى إخفاق واضح في محاولات فرض وقائع سياسية وعسكرية كانت تهدف إلى إحداث ما يمكن وصفه بـ«الضربة الحاسمة» لصالح إسرائيل وحلفائها. فالمشهد الميداني لم يفضِ إلى انهيار الجبهات المستهدفة كما كان متوقعًا، بل أسهم، على العكس، في الكشف عن مرحلة جديدة تتسم بإعادة ترتيب التحالفات وارتفاع مستوى التنسيق الإقليمي، بما يعكس تبدّلًا في منطق إدارة الصراعات.
في هذا السياق، يُعد حلّ المجلس الانتقالي خطوة سياسية بالغة الدلالة، تعكس إرادة واضحة لتسريع المسارات السياسية وتقليص الكلفة الإنسانية للصراع. كما تؤكد هذه الخطوة وجود قرار إقليمي – تقوده المملكة العربية السعودية – للانتقال من نهج إدارة الأزمات إلى مقاربة أكثر شمولًا تقوم على الاحتواء والاستقرار. وقد حظي هذا التوجه بقبول إقليمي لافت، لا سيما من دول محورية مثل تركيا ومصر ، ما يشير إلى تبلور محور سياسي جديد يُعلي من منطق الاستقرار على حساب سياسات الفوضى.
وفي هذا الإطار، تبرز حالتا الصومال والسودان كنموذجين واضحين لتقاطع الرؤى الإقليمية الجديدة القائمة على أولوية وحدة الدولة ورفض الكيانات الموازية. ففي الصومال، تتزايد المؤشرات على توافق سعودي–تركي–مصري داعم للحكومة الفيدرالية الشرعية، ورافض لأي محاولات لإضفاء شرعية سياسية أو قانونية على كيانات انفصالية، مثل ما يُعرف بـ«أرض الصومال». ويعكس هذا الموقف إدراكًا مشتركًا بأن استقرار الصومال لا يمكن تحقيقه عبر تكريس الانقسام، بل من خلال دعم مؤسسات الدولة المركزية، وتعزيز قدرتها الأمنية والسياسية، وقطع الطريق أمام التدخلات الخارجية التي توظف الهشاشة الداخلية لخدمة أجندات إقليمية ودولية.
وبالمثل، تشهد الساحة السودانية تقاربًا ملحوظًا في مواقف المملكة العربية السعودية وتركيا ومصر حيال ضرورة الحفاظ على وحدة السودان ورفض واقع المليشيات المسلحة، وفي مقدمتها مليشيات الدعم السريع، بوصفها كيانًا موازيًا يقوض الدولة ويهدد الأمن الإقليمي. ويقوم هذا التوافق على قناعة راسخة بأن أي تسوية سياسية مستدامة في السودان يجب أن تنطلق من تفكيك البُنى العسكرية غير النظامية، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية الموحدة، بعيدًا عن صيغ تقاسم النفوذ القسري التي أثبتت فشلها في تجارب سابقة. ويعكس هذا التوجه امتدادًا عمليًا لمحور الاستقرار الإقليمي، الذي يسعى إلى إنهاء ظاهرة الكيانات الموازية بوصفها أحد أبرز مصادر الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة.
في المقابل، يُلاحظ تراجع نسبي في الدور الإماراتي ضمن بعض الملفات الإقليمية، وهو تراجع يصعب فصله عن الضغوط السياسية والدبلوماسية المتزايدة التي تواجهها أبوظبي على خلفية ارتباطها السابق بالمشروع الإسرائيلي وانخراطها في أجندة “خلق كيانات موازيه”. وقد انعكس هذا التحول في الخطاب الإعلامي الإماراتي، الذي بدأ يميل إلى إعادة التموضع وتخفيف حدة الارتباط العلني بإسرائيل، في ظل بيئة إقليمية ودولية باتت أقل تقبلًا لمثل هذا التحالف.
ويعكس التوتر الظاهر في الخطاب المتبادل بين شخصيات إسرائيلية وإماراتية على منصات التواصل الاجتماعي خللًا أعمق في طبيعة العلاقة بين الطرفين. فالقيمة الاستراتيجية المتبادلة لم تعد كما كانت في مراحل سابقة؛ إذ باتت إسرائيل ترى أن الدور الإماراتي لم يعد قادرًا على تحقيق المكاسب المرجوة، في حين بدأت الإمارات تدرك الكلفة السياسية والاقتصادية المتزايدة للاستمرار في هذا المسار.
وعلى مستوى إقليمي أوسع، تشهد المنطقة تحركات استراتيجية لافتة، أبرزها مساعي تشكيل ترتيبات دفاعية جديدة تضم المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، في إطار يقترب من نماذج التحالفات الدفاعية الجماعية. وتحمل هذه التحركات رسالة واضحة مفادها أن أمن المنطقة يتجه نحو الاعتماد على أدوات إقليمية، بعيدًا عن الارتهان الحصري للقوى الخارجية.
أما فيما يتعلق بإيران، فإن الخطاب التصعيدي الغربي لا يمكن قراءته بمعزل عن مشروع أوسع يستهدف إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، عبر إضعاف أو تفكيك الدول متعددة الأعراق. غير أن أي محاولة لزعزعة استقرار إيران أو الدفع نحو تقسيمها من شأنها أن تفتح الباب أمام فوضى إقليمية شاملة، تمتد آثارها من العراق إلى أفغانستان، وتوفر بيئة خصبة للجريمة المنظمة والصراعات العابرة للحدود، وهو سيناريو لا يبدو أن المستفيد الحقيقي منه سوى إسرائيل.
وهذه الظاهره ليست مقتصرة علي الشرق الأوسط الكبير حيث في أمريكا اللاتينية، ولا سيما في فنزويلا، فإن اختزال الصراع الدائر في بعده النفطي يغفل التعقيدات الاقتصادية والسياسية القائمة. فشركات النفط الكبرى نفسها تقرّ بأن الاستثمار في فنزويلا يظل عالي المخاطر في ظل غياب الاستقرار. وعليه، تأتي التحركات الأمريكية هناك في سياق صراع دولي أوسع مع الصين وروسيا، ومحاولة لإعادة تأكيد النفوذ في نصف الكرة الغربي، وهو مسار تتقاطع فيه المصالح الأمريكية مع الرؤية الإسرائيلية.
خلاصة القول، إن المنطقة تمر بمرحلة انتقالية تتراجع فيها فعالية الاستراتيجيات القائمة على الفوضى والتفكيك، مقابل صعود مقاربات جديدة ترتكز على الشراكات الإقليمية، وإعادة تعريف المصالح، وتقييد هامش الحركة الإسرائيلية في عدد من الملفات. ورغم أن الصراعات مرشحة للاستمرار، إلا أنها ستتخذ على الأرجح أشكالًا أقل مباشرة، في ظل إدراك متزايد بأن كلفة المواجهات المفتوحة باتت تفوق مكاسبها السياسية والاستراتيجية.
=========================================================================
ملاحظة : المقالات تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر عن سياسة موقع مقديشو”












