مقديشو برس
في مثل هذا اليوم، الثالث عشر من يوليو عام 2023، غيّب الموتُ علَمًا من أعلام الفكر القانوني الصومالي، وأحد رجالاته البارزين في ساحات التعليم والبحث والتأطير القانوني، الأستاذ الدكتور محمود علي توريري، بعد مسيرة علمية حافلة امتدت لعقود، جمع فيها بين الأصالة والمعاصرة، وبين التكوين الديني المتين والانفتاح الأكاديمي العالمي.
من النشأة إلى العالمية
وُلد الأستاذ محمود علي توريري في العقد الثالث من القرن الماضي في بيئة محافظة، وتربى على مكارم الأخلاق، حيث حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، وتتلمذ على يد مشايخ المجالس العلمية في الحلقات التقليدية. كانت تلك المرحلة التكوينية المبكرة بمثابة الجذور الصلبة لشخصيته العلمية المتوازنة.
ثم واصل دراسته في بعثة علمية إلى اليمن، حيث تشرّب أسس الفقه والقانون بلغة الضاد، قبل أن يلتحق بجامعة الصداقة في موسكو، متخصّصًا في القانون الدولي، ليعود بعدها إلى بلده بخبرة عالمية، ورؤية واسعة، وإيمان عميق برسالة التعليم والنهضة القانونية.
رائد القانون الدولي في الجامعة الوطنية
تولى الأستاذ توريري منصب رئيس قسم القانون الدولي في الجامعة الوطنية الصومالية في الثمانينيات، وكان من أوائل من أدخلوا التفكير القانوني المنهجي إلى الكليات الصومالية. وقد شهد له طلابه وزملاؤه بالانضباط الأكاديمي، والدقة في التحليل، والروح الوطنية العالية.
كان يؤمن بأن نهوض الأمة مرهون بسيادة قانون عادل، يُعلِي من شأن الحق، ويجعل الدستور مرجعية فوق الأهواء والانفعالات. لم يكن ينظر إلى القانون كمواد جامدة، بل كمنظومة أخلاقية تساهم في بناء الدولة وضمان الحقوق، وتحقيق العدالة لجميع المواطنين.
مساهمات علمية وفكرية خالدة
رغم قلة ظهوره الإعلامي، فإن الأستاذ الدكتور محمود توريري ترك إرثًا علميًا رصينًا، تجلّى في كتاباته ومقرراته الجامعية. ومن أبرز مؤلفاته:
• “مقرر القانون الدولي العام”، الذي درّسه لسنوات في كلية القانون بالجامعة الوطنية، وكان مرجعًا تأسيسيًا لآلاف الطلاب.
• وكتاب “الحياد الإيجابي وسياسة الصومال الخارجية”، الذي يُعد من أوائل الدراسات الأكاديمية التي تناولت موقع الصومال في الخارطة الدولية من منظور القانون والسياسة.
تميّزت كتاباته بالوضوح، والربط العميق بين النظرية القانونية والواقع السياسي، كما أظهرت اهتمامه الكبير بسيادة الدولة، ومكانة الصومال في النظام العالمي.
وفاته ورحيله
في مساء الخميس، 25 ذو الحجة 1444هـ، الموافق 13 يوليو 2023م، انتقل الأستاذ محمود علي توريري إلى جوار ربه، بعد عمرٍ ناهز التسعين، قضاها في ميادين التعليم والتأليف والنصح والتوجيه. كان رحيله فاجعة صامتة في قلوب محبيه، لكنه فتح بابًا لأسئلة كبرى حول غياب التوثيق والاحتفاء بالرموز العلمية الصومالية.
لقد آن الأوان أن يكون الدكتور محمود توريري محور اهتمام القانونيين الصوماليين، ليس فقط في ذكراه السنوية، بل في مقررات الجامعات، وفي مناهج البحث العلمي، وفي مشاريع إعادة إحياء الذاكرة القانونية الوطنية. فمثل هذا الرجل لا يُطوى برحيله، بل يُبعث إرثه من جديد، ليُلهم أجيالًا من القانونيين الملتزمين بقضايا أمتهم ووطنهم.
ومن هنا، تنبثق دعوة صادقة لبناء معهد قانوني وطني يحمل اسمه، يكون مركزًا للبحث والتدريب والتوثيق، يُعنى بالقانون الدولي، والفكر الدستوري، والقضايا السيادية، ويُخلّد ذكرى أحد أبرز مؤسسي النهضة القانونية في الصومال. معهدٌ يُخرّج الكفاءات، ويُعيد للمهنة القانونية هيبتها، ويجعل من إرث الدكتور توريري مشعلًا يُضيء طريق العدالة والوعي القانوني لأجيال قادمة.
بقلم : الكاتب الصحفي عمر فارح











