كييف / مقديشو برس – بقلم أحمد محمد أحمد
في خطوة تحمل أكثر من بُعد سياسي ودبلوماسي، قدّم سعادة السفير محمد عبد الله أحمد، أوراق اعتماده إلى فخامة رئيس جمهورية أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي، سفيرًا مفوّضًا فوق العادة لجمهورية الصومال الفيدرالية لدى أوكرانيا، والمقيم في العاصمة الصربية بلغراد.
اللقاء الذي جرى في القصر الرئاسي بالعاصمة كييف، لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي روتيني، بل مشهدًا رمزيًا عميق الدلالة في توقيته ومكانه. فأوكرانيا، التي تعيش في أتون حربٍ مدمّرة منذ أكثر من عامين، تستقبل اليوم ممثلًا رسميًا لدولةٍ تعرف جيدًا معنى الصمود بعد سنواتٍ طويلة من الصراع الداخلي، لتقول عبر الصومال إن العزيمة الوطنية لا تُهزم مهما اشتدت النيران.
خلال المراسم، نقل السفير محمد عبد الله أحمد تحيات فخامة الرئيس الصومالي الدكتور حسن شيخ محمود إلى نظيره الأوكراني، مؤكدًا رغبة مقديشو في تعزيز التعاون الثنائي بين البلدين في مختلف المجالات، ولا سيما التعليم والتجارة والتبادل الثقافي. من جانبه، أشاد الرئيس فولوديمير زيلينسكي بموقف الصومال الداعم لوحدة الأراضي الأوكرانية، معربًا عن تقديره للمبادرات الصومالية التي تؤيد السلام والاستقرار في بلاده.
لكن ما وراء الحدث هو الأهم؛ فهذه الخطوة تكشف عن تحوّل نوعي في الدبلوماسية الصومالية، التي باتت تنفتح بثقة على فضاءاتٍ دوليةٍ جديدة، وتشارك بفاعلية في قضايا العالم، بعد أن ظلت لسنواتٍ منشغلة بملفاتها الداخلية. إنها دبلوماسية “المبادئ والمصالح”، التي تسعى لربط الصومال بشبكة علاقاتٍ متوازنة مع دولٍ بعيدة جغرافيًا لكنها قريبة في التجربة والتحديات.
وبينما تخوض أوكرانيا معركتها الوجودية، تأتي الرسالة الصومالية لتقول إن دعم الشعوب في حقها بالسيادة والاستقلال ليس حكرًا على الدول الكبرى، بل هو موقف أخلاقي وإنساني تشترك فيه الأمم التي عرفت معنى الحرب والفقد والأمل.
على الصعيد العملي، يفتح هذا التقارب آفاقًا للتعاون في مجالات التعليم والتكنولوجيا والزراعة والطاقة، وهي قطاعات تمتلك فيها أوكرانيا خبراتٍ يمكن أن تستفيد منها الصومال في مسارها التنموي. كما أن زيارة السفير إلى أقدم الجامعات الأوكرانية التي تخرّج منها عدد من الصوماليين البارزين، تعيد إحياء الروابط التاريخية بين البلدين في مجال المعرفة والبحث العلمي.
إنها خطوة صغيرة في ظاهرها، لكنها كبيرة في معناها السياسي والإنساني. فالصومال، الدولة التي كانت يومًا عنوانًا للفوضى، تمارس اليوم دبلوماسية هادئة وعاقلة، ترسل عبرها رسائل تضامن وسلام إلى شعوبٍ تعاني ويلات الحرب، وتؤكد حضورها كدولةٍ فاعلةٍ تسعى لأن تكون جزءًا من الحلول لا من الأزمات.
بهذه الخطوة، تضع مقديشو حجرًا جديدًا في طريق بناء صورةٍ دوليةٍ أكثر توازنًا، قائمة على المبادئ والاحترام المتبادل، ومفتوحة على المستقبل رغم جراح الماضي.












