مقديشو برس / الصحفي أحمد محمد أحمد
لأول مرة منذ انضمامها إلى منظومة قوات الاحتياط لشرق إفريقيا (EASF) عام 2014، تستضيف جمهورية الصومال الفيدرالية أعمال الدورة الرابعة والثلاثين للهيئات العليا لهذه القوة الإقليمية، في حدث يُعدّ مؤشرًا على التحولات المتسارعة في موقع الصومال ضمن منظومة الأمن الإقليمي.
المؤتمر، الذي انطلقت أعماله اليوم 15 يوليو 2025 في العاصمة مقديشو ويستمر حتى التاسع عشر من الشهر ذاته، يُعقد برئاسة صومالية كاملة، وبمشاركة واسعة من كبار الضباط والخبراء وممثلي وزارات الدفاع من عشر دول أعضاء هي: الصومال، بوروندي، جزر القمر، جيبوتي، إثيوبيا، كينيا، رواندا، سيشل، السودان، وأوغندا.
افتتح أعمال المؤتمر وزير الدولة بوزارة الدفاع، السيد عمر علي عبدي، مرحّبًا بالمشاركين ومؤكدًا على أهمية الحدث بوصفه “دلالة واضحة على الثقة المتزايدة في الصومال”، و”انعكاسًا للجهود المبذولة على مدار السنوات الأخيرة في مجالي الأمن وبناء مؤسسات الدولة”.
لكن أبعد من التصريحات البروتوكولية، تحمل استضافة الصومال لهذا الاجتماع رفيع المستوى عدة رسائل سياسية وأمنية، على المستويين الداخلي والإقليمي:
أولًا: رسالة ثقة في الأداء الأمني الصومالي
لم يكن من الممكن عقد مثل هذا المؤتمر في مقديشو قبل أعوام، في ظل التحديات الأمنية المعقدة، والحضور المستمر لحركة الشباب في محيط العاصمة. لكن الاستضافة الحالية تعكس قناعة إقليمية متزايدة بأن التحول الأمني في الصومال لم يعد فقط خطة على الورق، بل واقعًا يتحقق تدريجيًا. وهذا بحد ذاته يمثل دعمًا معنويًا كبيرًا للمؤسسات الأمنية والعسكرية الصومالية، خاصة وهي تخوض معارك حاسمة في جنوب البلاد.
ثانيًا: إعادة تموضع إقليمي للصومال
في السنوات الأخيرة، سعت الحكومة الصومالية إلى استعادة موقعها داخل المنظومات الإقليمية، سواء في شرق إفريقيا أو ضمن الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي. ومع توليها رئاسة الدورة الحالية لقوات الاحتياط، تكون مقديشو قد خطت خطوة عملية في هذا الاتجاه، ما يعكس طموحها في لعب دور أكبر في ملفات الأمن الجماعي ومكافحة الإرهاب العابر للحدود.
ثالثًا: تعاون استخباراتي وتنسيق إقليمي
تناقش اجتماعات لجنة الخبراء الفنيين عدة محاور استراتيجية، من أبرزها:
- تعزيز جاهزية قوات الاحتياط
- الوقاية من النزاعات
- تطوير تبادل المعلومات الاستخباراتية
- تنفيذ الخطة الاستراتيجية للفترة 2026–2030
وهذه البنود توضح أن المؤتمر لا يقتصر على الجانب الرمزي، بل يُمثّل منصة تنسيق أمني فعالة بين دول المنطقة، التي تواجه تهديدات متقاربة من حيث طبيعتها، سواء من الجماعات المسلحة، أو النزاعات العابرة للحدود.
رابعًا: مقديشو كمركز حوار بدلًا من ساحة نزاع
على مدار عقود، كانت مقديشو تُذكر في الإعلام العالمي باعتبارها ساحة للنزاع. واليوم، تستقبل وفودًا عسكرية وسياسية من عدة دول إفريقية، تناقش على أرضها مستقبل الأمن الإقليمي. هذه نقلة رمزية لكنها بالغة الأهمية، تعكس جهود الحكومة لتحويل العاصمة إلى مركز سياسي ودبلوماسي فعال.
خامسًا: رهان على الدعم الإقليمي والدولي
في ختام كلمته، أكد وزير الدولة على أهمية مواصلة التعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين. وهذا يعكس إدراك القيادة الصومالية أن التحديات الأمنية لا يمكن مواجهتها منفردة، وأن التنسيق والاندماج في الهياكل الإقليمية جزء من استراتيجية البقاء السياسي والاقتصادي للدولة.
استضافة الصومال لأعمال مؤتمر قوات الاحتياط لشرق إفريقيا ليست مجرد فعالية دورية عابرة، بل حدث يحمل أبعادًا سياسية وأمنية عميقة، في توقيت حرج تمر فيه البلاد بتحولات داخلية ومواجهات عسكرية ضد الجماعات المتطرفة.
وفي حين تستمر الاجتماعات حتى 19 يوليو، تتجه الأنظار إلى مخرجاتها النهائية، وما إذا كانت ستفتح فصلًا جديدًا في علاقة الصومال مع محيطه الإقليمي، ليس كمجرد متلقٍ للدعم، بل كفاعل ومبادر في صناعة الأمن الجماعي.












