مقديشو برس/ بقلم: أحمد محمد أحمد
يمثل انتخاب جمهورية الصومال الفيدرالية عضوًا في مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي للفترة 2026–2028 تطورًا ذا دلالة سياسية عميقة في مسار الدولة الصومالية إقليميًا وقاريًا. فالعضوية في هذا الجهاز التنفيذي المعني بإدارة النزاعات ومنعها وصياغة مقاربات الأمن الجماعي داخل الاتحاد الأفريقي لا تُمنح على أساس التمثيل الجغرافي فحسب، بل ترتبط أيضًا بمستوى الثقة السياسية في قدرة الدولة العضو على الإسهام الفعلي في أجندة السلم والاستقرار.
من هذا المنظور، يمكن قراءة هذا الانتخاب باعتباره مؤشرًا على تحوّل نوعي في صورة الصومال داخل المنظومة الأفريقية: من دولة تُدار أزمتها على طاولة الشركاء، إلى دولة تشارك في إدارة أزمات القارة. ويكتسب هذا التحول أهميته في ضوء التجربة الصومالية الممتدة في إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإصلاح القطاع الأمني، ومواجهة التهديدات غير التقليدية، وفي مقدمتها الإرهاب العابر للحدود.
في رسالته إلى الشعب الصومالي، أكد الرئيس حسن شيخ محمود أن هذا الإنجاز «يمثل علامة بارزة على التقدم الدبلوماسي للصومال واستعادة دوره القيادي على المستويين الإقليمي والدولي»، مشيرًا إلى أن «الثقة والدعم الذي أظهرته الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي تجاه الصومال يعد دليلًا على التغيير الإيجابي الذي تشهده بلادنا». هذه التصريحات لا تحمل طابعًا احتفاليًا فحسب، بل تعكس مقاربة سياسية تعتبر الدبلوماسية أداة لإعادة تموضع الدولة داخل النظام الإقليمي.
كما لفت الرئيس إلى بُعد المقارنة الرمزية بقوله: «لقد كنا سابقًا عضوًا في مجلس الأمن الدولي، واليوم نحن في مجلس السلام والأمن الأفريقي». وهذه الإشارة تؤسس لسردية سياسية مفادها أن الصومال لم يعد موضوعًا لقرارات الآخرين، بل شريكًا في صياغتها، سواء على المستوى الدولي أو القاري.
استراتيجيًا، تنضم الصومال إلى مجلس السلم والأمن برؤية معلنة ترتكز على أربعة محاور رئيسية: تعزيز منع النزاعات، دعم بناء السلام والمصالحة، توسيع التعاون في مكافحة الإرهاب، والمساهمة في جهود التعافي بعد النزاعات. وتستند هذه الرؤية إلى خبرة وطنية متراكمة في إدارة المراحل الانتقالية، وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية، وبناء الشراكات متعددة الأطراف.
وفي هذا السياق، اعتبرت بعثة AUSSOM أن انضمام الصومال إلى المجلس سيضيف «خبرة عملية ومنظورًا مستندًا إلى التجربة الميدانية» في مجالات الاستقرار وإصلاح المؤسسات الأمنية. ويعكس هذا التقييم إدراكًا متزايدًا داخل الأطر الأفريقية بأن الدول الخارجة من النزاعات يمكن أن تتحول إلى مصادر معرفة في إدارة الأزمات، لا مجرد ساحات لها.
سياسيًا، يحمل هذا الانتخاب أيضًا بعدًا يتعلق بشرق أفريقيا، إذ يعكس درجة من التنسيق الإقليمي والدعم المتبادل داخل الكتلة الجغرافية، ما يعزز موقع الصومال ضمن الترتيبات الأمنية الإقليمية. كما يضع على عاتقها مسؤولية التوفيق بين مصالحها الوطنية والاعتبارات القارية الأوسع، في إطار الالتزام بمبادئ التعددية والأمن الجماعي.
إن عضوية الصومال في مجلس السلم والأمن للفترة 2026–2028 تمثل انتقالًا من موقع التلقي إلى موقع الفعل داخل بنية الأمن الأفريقي. غير أن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز ستُقاس بمدى قدرة مقديشو على تحويل الرصيد الرمزي للعضوية إلى مبادرات عملية، تسهم في صياغة سياسات أكثر فاعلية لمنع النزاعات وتعزيز الاستقرار في القارة. وفي هذا التحدي تحديدًا، يتحدد ما إذا كانت اللحظة الدبلوماسية الراهنة محطة عابرة، أم بداية لتموضع استراتيجي طويل الأمد للصومال في معادلة السلم والأمن الأفريقي












